المغرب في قلب التحولات

تحولات عميقة تلك التي يعرفها العالم منذ أكثر من ثلاثة عقود على المستوى الجيوسياسي الذي يسجل عودة قوية لهذا البعد التقليدي في المنظور السياسي. تتسم هذه التحولات، بنمو أصبح اليوم جليا، لتعدد مراكز القوة، واحتدام التنافس بين القوى العالمية الكبرى، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية. في هذا السياق، تبرز المملكة المغربية كفاعل استراتيجي صاعد في شمال أفريقيا وغرب المتوسط، مستفيداة من موقعها الجغرافي ومن استقرارها السياسي ومن خياراتها الدبلوماسية المتوازنة، ناهيك عن مشاريعها الاقتصادية البراغماتية الكبرى. نقدم في هذه المقالة قراءة تركيبية للوضع الاستراتيجي الراهن للمملكة المغربية، في ضوء مجموعة من المحددات الأساسية:

التموضع الجيوسياسي في ظل التوترات الدولية، الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة، إدارة العلاقات مع القوى الأوروبية، التنافس مع الجزائر، والمشروع الأطلسي المغربي، إضافة إلى تطورات قضية الصحراء المغربية.

أولاً: التموضع الجيوسياسي في ظل التوترات الدولية (إيران، الخليج، الولايات المتحدة).

اختار المغرب، تاريخياً، موقعا ثابتا وواضحاً ضمن المعسكر الغربي، مع الحفاظ على هامش، صعب الصيانة وجد متطلب سياسيا واقتصاديا، من الاستقلالية في القرار السياسي. وقد حافظ المغرب في ظل التوترات المتزايدة في الشرق الأوسط، خاصة مع إيران، على موقف ثابت يدعم حلفاءه التقليديين، خاصة الولايات المتحدة ودول الخليج.

ليست العلاقات المغربية – الخليجية مجرد تحالف ظرفي، بل هي تاريخ عقود من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني. وقد عبر الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة عن هذا الارتباط، مؤكداً أن “أمن الخليج من أمن المغرب”.

تجسد هذا الموقف عملياً في دعم المغرب للمواقف الخليجية في مواجهة التهديدات الإيرانية، وقطع العلاقات مع طهران سنة 2018 بسبب اتهامات بدعمها لجبهة البوليساريو من خلال حزب الله وهو أحد أذرعها التي تصون من خلالها مصالحها الاستراتيجية كما هو معروف.

يمكن قراءة هذا تموضع المملكة المغربية الاستراتيجي سياسيا، من الجانب النظري، عبر مفهوم “التحالفات الواقعية” عند هانس مورغنثاو – Hans Joachim Morgenthau، الذي يرى أن الدول تسعى إلى تحقيق توازن القوى لضمان أمنها القومي. فالمملكة المغربية، بإدراكها لمحدودية مواردها مقارنة بالقوى الإقليمية، تراهن على تحالفات قوية لتعزيز موقعها، كما تراهن بقوة فاعلة وبراغماتية أيضا، على تقوية بنياتها الطاقية والاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، بتوطين الخبرات البشرية والبنيات الإنتاجية وكل ما يلائم، لتعزيز استراتيجي متكامل لموقعها واستقلاليتها واستقرارها.

ثانياً: اتفاقية الدفاع المغربية-الأمريكية: نحو نقل التكنولوجيا العسكرية.

تشكل اتفاقية التعاون الدفاعي بين المغرب والولايات المتحدة، الممتدة لعشر سنوات (2020–2030)، إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية الأمنية المغربية. لا تقتصر هذه الاتفاقية على التعاون العسكري التقليدي، بل تشمل أيضاً نقل التكنولوجيا والتدريب وتطوير الصناعات الدفاعية.

تهدف هذه الاتفاقية، وفقاً لمعطيات وزارة الدفاع الأمريكية، إلى “تعزيز القدرة الدفاعية للمغرب وتطوير قابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة للبلدين”. كما تفتح المجال أمام استثمارات أمريكية في قطاع الصناعات العسكرية المغربية، وذلك ما يشكل تحولا نوعيا في السياسة الدفاعية للمملكة.

يعكس هذا التوجه انتقال المغرب من مجرد مستورد للسلاح، إلى فاعل يسعى لبناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية. وهو ما يتماشى مع ما يسميه الباحث باري بوزان – Barry Buzan “الأمن المُركَّب”، حيث لم يعد الأمن مقتصراً على البعد العسكري وإنما يشمل الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية. في هذا السياق نذكر ونسطر على احتضان المغرب لمناورات “الأسد الإفريقي”، باعتباره أكبر تمرين عسكري، تحت القيادة الفعلية والعملية الأمريكية في القارة، الذي يجسد تعزيزا حقيقيا لمكانة المملكة المغربية كشريك أمني رئيسي للولايات المتحدة في أفريقيا.

ثالثاً: العلاقات المعقدة مع أوروبا: بين التعاون والتنافس.

يحافظ المغرب على علاقات استراتيجية مع كل من فرنسا وإسبانيا، على الرغم التوترات الظرفية التي تطبع هذه العلاقات أحياناً. ففرنسا وهي الشريك التاريخي للمملكة لا تزال فاعلاً اقتصادياً وثقافياً رئيسياً في المغرب، لكن العلاقات شهدت فتوراً في السنوات الأخيرة بسبب تباينات سياسية، خاصة حول قضية الصحراء المغربية وهي التوترات التي تم تجاوزها نحو شراكة متعددة واستراتيجية الآن إثر اعتراف فرنسا الصريح والكامل بمغربية الصحراء.

أما العلاقات مع إسبانيا فقد شهدت تحولاً نوعياً بعد أزمة 2021، حيث أعلنت مدريد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، ووصفتها بأنها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لحل النزاع.

هذا التوازن بين فرنسا وإسبانيا يعكس ما يسميه هنري كيسنجر – Henry Kissinger “الدبلوماسية متعددة المحاور”، حيث تسعى الدول إلى تنويع شركائها لتفادي الارتهان لقوة واحدة. تستفيد المملكة المغربية أيضا من موقعها كشريك أساسي للاتحاد الأوروبي في قضايا الهجرة والأمن والطاقة، وهو ما يمنحها ورقة ضغط مهمة في علاقاتها مع أوروبا دولا واتحادا.

رابعاً: التوتر الاستراتيجي مع الجزائر.

يشكل التوتر التاريخي المغربي-الجزائري أحد أبرز محددات السياسة الخارجية للمملكة. فالجزائر،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
موقع بالواضح منذ ساعة
Le12.ma منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات
جريدة تيليغراف المغربية منذ 20 ساعة
هسبريس منذ 20 ساعة
موقع بالواضح منذ ساعة
جريدة تيليغراف المغربية منذ 21 ساعة
هسبريس منذ 6 ساعات