التصعيد في مالي يربك الساحل.. ويبرز المغرب كفاعل استراتيجي موثوق

تعيش مالي على وقع تطورات أمنية غير مسبوقة تهدد بإعادة رسم موازين القوى في منطقة الساحل، عقب هجمات منسقة نفذتها جماعات انفصالية ومسلحة استهدفت مواقع حساسة، في تصعيد وُصف بالأخطر منذ أزمة 2012، وكشف هشاشة الوضع الأمني داخل البلاد وحدود قدرة السلطة العسكرية على احتواء التهديدات المتنامية.

وأبرزت التطورات الأخيرة، خاصة الهجوم الذي استهدف مدينة كاتي القريبة من العاصمة باماكو ومقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، حجم الارتباك الذي يطبع المشهد الأمني والسياسي، في وقت تواجه فيه السلطات العسكرية ضغوطا متزايدة بفعل اتساع رقعة المواجهات وتعدد الجبهات المشتعلة شمالا ووسط البلاد.

وتشير المعطيات إلى أن الهجمات جاءت ضمن تحركات منسقة بين جبهة تحرير أزواد وتنظيمات متشددة تنشط بمنطقة الساحل، ما أعاد إلى الواجهة سيناريوهات شبيهة بأزمة 2012، لكن هذه المرة بامتدادات أكثر تعقيدا تمس عمق السلطة المركزية نفسها، وليس فقط المناطق الشمالية.

كما تضع هذه التطورات رهانات الحضور الروسي في الساحل أمام اختبار صعب، بعدما بدا أن المقاربة الأمنية التي راهنت عليها باماكو لم تنجح في تحصين البلاد من الانهيار، وسط مؤشرات على تراجع النفوذ الروسي ميدانيا، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي في المنطقة.

وفي خضم هذا الاضطراب، يبرز المغرب كفاعل إقليمي يكرس حضوره بمنطق الاستقرار والشراكة، في مقابل تعثر مشاريع إقليمية أخرى وفشل مقاربات قائمة على التوتر أو الحسابات الضيقة، ذلك لأن المبادرات المغربية تجاه دول الساحل، وفي مقدمتها المبادرة الأطلسية، تكتسب اليوم بعدا استراتيجيا أكبر باعتبارها رؤية عملية للتنمية والربط الاقتصادي في منطقة تبحث عن بدائل موثوقة.

ويرى مراقبون أن ما يجري في مالي يعزز الحاجة إلى شراكات قائمة على التنمية والتعاون الأمني، وهي المقاربة التي راكمت فيها الرباط مصداقية متنامية، بخلاف أطراف إقليمية راهنت لعقود على الوساطات العقيمة ولم تفلح في إنتاج حلول دائمة، في إشارة إلى تراجع أدوار كانت تقدم نفسها فاعلا محوريا في الساحل قبل أن تكشف الوقائع محدودية تأثيرها.

وتعيد الأزمة كذلك إبراز أهمية الدور المغربي في محيط الساحل، ليس فقط كشريك اقتصادي، بل كفاعل قادر على تقديم رؤية متكاملة تجمع الأمن بالتنمية، حيث بينما تتراجع رهانات قوى أخرى وتتعثر حسابات خصوم المملكة، تبرز الرباط كعنوان للاستقرار في فضاء إقليمي متقلب.

كما أن الاضطراب المتسارع في مالي يمنح المبادرات المغربية زخما إضافيا، ويكرس موقع المملكة باعتبارها شريكا إقليميا موثوقا لدى دول الساحل الباحثة عن منافذ تنموية وشراكات عملية بعيدا عن منطق الوصاية أو التدخلات الفاشلة.

وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود مالي لتطال مجمل الساحل وغرب إفريقيا، مع مخاوف من تمدد التهديدات المسلحة نحو فضاءات أوسع، غير أن هذه التحولات، رغم خطورتها، تفتح في المقابل نافذة لتعزيز تموقع المغرب إقليميا ودوليا باعتباره أحد أبرز الفاعلين القادرين على الإسهام في استقرار المنطقة.

وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تبدو الرسالة واضحة، فكلما تعمقت أزمات الساحل وتهاوت رهانات الفوضى، ازداد بروز النموذج المغربي كخيار استراتيجي قائم على الواقعية، فيما تتكشف محدودية المشاريع المنافسة وخسارة خصوم المملكة لرهانات النفوذ أمام صعود دبلوماسية مغربية أكثر حضورا وفاعلية.


هذا المحتوى مقدم من بلادنا 24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بلادنا 24

منذ 8 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 44 دقيقة
منذ ساعتين
منذ 10 ساعات
منذ 3 ساعات
بلادنا 24 منذ 6 ساعات
موقع بالواضح منذ 7 ساعات
وكالة الأنباء المغربية منذ 16 ساعة
2M.ma منذ 18 ساعة
هسبريس منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 20 ساعة
هسبريس منذ ساعة
هسبريس منذ 4 ساعات