في هذا المقال، نسلط الضوء على مسار الأحزاب نحو انتخابات 2026، وتوجيه الأنظار إلى أحزاب المعارضة الرئيسية، ليس فقط باعتبارها بديلا مفترضا للأغلبية، وإنما كاختبار حقيقي لمدى قدرتها على إعادة بناء الثقة السياسية وتقديم عرض انتخابي مقنع، فقراءة أولية في أوضاع أبرز مكونات المعارضة، تكشف تباينات عميقة بين ديناميات استعادة المبادرة ومحطات التعثر..
حزب الاتحاد الاشتراكي.. أزمة الهوية وتآكل الرأسمال الرمزي
يعيش حزب الاتحاد الاشتراكي، المكون الأول عدديا في المعارضة، على وقع توترات داخلية حادة مرتبطة بقيادة الكاتب الأول إدريس لشكر، ما أفرز حالة من التيه التنظيمي والسياسي، ويبدو أن وضع الحزب لا يتعلق فقط بخلافات تنظيمية أو شخصية مع الكاتب الأول، بل يتعلق بأزمة أعمق، تمس الهوية السياسية للحزب نفسه.
فالاتحاد الاشتراكي، الذي كان تاريخيا حاملا لمشروع مجتمعي حداثي، يجد نفسه اليوم أمام تآكل في الرأسمال الرمزي الذي راكمه عبر عقود، أفرز مغادرة أسماء ذات رمزية نضالية، آخرها عبد الهادي خيرات، إلى جانب تذبذب مواقف الحزب خلال هذه المرحلة من قضايا رقابية في البرلمان، كتراجعه عن المشاركة في تقديم ملتمس الرقابة، وإفشال لجنة تقصي الحقائق في ملف الفراقشية ، مما زاد من إضعاف صورة الحزب كقوة معارضة صلبة قادرة على مساءلة الحكومة بوضوح وانسجام.
الحركة الشعبية.. بين إرث الأعيان وإكراهات التحديث
في المقابل، يحاول حزب الحركة الشعبية إعادة ترتيب بيته الداخلي تحت قيادة محمد أوزين، غير أن هذا المسار لا يخلو من اهتزازات؛ فالخلافات مع بعض الأعيان، ومنهم إدريس السنتيسي، تعكس صعوبة الانتقال من منطق التوازنات التقليدية إلى بناء حزب متماسك برؤية سياسية واضحة.
ورغم ارتفاع منسوب الخطاب المعارض، إلا أن محدودية الامتداد الميداني تطرح سؤال الفعالية، وما إذا كان الحزب يمثل معارضة حقيقية، أم مجرد معارضة صوتية لا تجد ما يسندها تنظيميا وانتخابيا ؟
حزب العدالة والتنمية.. رهان تحويل زخم المعارضة إلى بديل حكومي
أما حزب العدالة والتنمية، فيبدو أنه الأكثر استفادة من موقع المعارضة خلال هذه المرحلة؛ فقد نجح في استعادة جزء معتبر من ديناميته التنظيمية والسياسية، مستثمرا في قضايا الهوية وانتقادات التدبير الحكومي.
يضاف إلى هذا، أن حضور عبد الإله بن كيران على رأس الأمانة العامة يمنح الحزب قوة تواصلية هائلة، مدعومة برصيد من المصداقية المرتبطة بصورة النزاهة خلال فترة تدبيره للحكومة والجماعات الترابية.
غير أن هذا الرأسمال، رغم أهميته، يظل غير كاف إذا لم يُترجم إلى عرض دقيق، يجيب عن الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية، وبلغة الأرقام والبدائل لا فقط بلغة المواقف، ومع ذلك، فإن هذا الصعود النسبي لا يخلو من تحديات، أبرزها استمرار بعض التوترات داخل البنية القيادية، وما قد تفرزه من تناقضات في الخطاب أو في تدبير المرحلة.
حزب التقدم والاشتراكية.. حضور إعلامي وازن
بدوره، يحافظ حزب التقدم والاشتراكية على حضور إعلامي وازن، مستفيدا من كاريزما أمينه العام نبيل بنعبد الله، وبوتيرة بياناته المنتظمة التي تواكب النقاش العمومي.
إلا أن هذا الحضور يظل، في نظر كثيرين، دون ترجمة سياسية واضحة على مستوى بلورة بدائل في السياسات العمومية أو تقديم تصورات متماسكة في قضايا الديمقراطية والحريات، منسجمة مع هوية المجتمع، مما يحد من قدرته على التحول إلى قوة اقتراحية مؤثرة انتخابيا، رغم ما يبدو من توجه لتمكينه من عدد من الأعيان في بعض الجهات، والتحاق عبد الهادي خيرات كرمز من رموز اليسار.
وإذا ما فشل الحزب في تأمين هذا الانتقال وهذه الترجمة، فإنه سيظل حبيس دائرة التأثير الرمزي والإعلامي دون امتداد انتخابي وازن.
خطر إعادة إنتاج الأعطاب نفسها في دورة انتخابية جديدة
يظهر إذن، أن أحزاب المعارضة ككل، مطالبة بإعادة تعريف علاقتها بالمجتمع، فالتحدي لم يعد فقط في مواجهة الأغلبية، بل في استعادة ثقة فئات واسعة من المواطنين، التي تنظر إلى الفاعل الحزبي بنوع من التوجس أو اللامبالاة، وهذا يقتضي الانتقال من خطاب سياسي تقليدي، إلى خطاب يستوعب تحولات المجتمع، خاصة صعود فاعلين جدد في الفضاء العمومي، من مؤثرين رقميين وحركات شبابية، وهو ما يفرض على الأحزاب جميعها، إعادة التفكير في أدواتها التواصلية والتنظيمية.
إن انتخابات 2026 لن تُحسم فقط بميزان القوى التقليدي، بل بمدى قدرة الأحزاب، أغلبية ومعارضة، على إقناع الناخب بأن لديها ما تقوله، وما تفعله، وما يمكن أن تغيره فعلا في معادلة السياسة، لكي تكون قادرة على تجميع طاقات متفرقة داخل المجتمع، ومواجهة خطر تحول التنافس بينها إلى عامل إضعاف متبادل بدل أن يكون مصدر غنى ديمقراطي، وفي هذا المستوى، يصبح السؤال الحقيقي: هل تمتلك الأحزاب المغربية الجرأة لإعادة تقديم ذاتها، أم أنها ستكتفي بإعادة إنتاج أعطابها في دورة انتخابية جديدة ؟
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

