د. محسن الكندي
في واحدةٍ من المراحل المفصلية في التاريخ الثقافي والأكاديمي في عُمان المقترن بتأسيس جامعة السلطان قابوس ونشوئها، عرفنا الأكاديمي البارع الأستاذ الدكتور أحمد درويش.. عرفناه أديبًا وشاعرًا وناقدًا وأستاذًا جامعيًّا، عرفناه مربّيًا يعي حق التربية ويوُلِيها قَدْرَها.. عرفناه باحثًا مُتمرِّسًا.. عرفناه مثقفا أصيلًا.. وناقدًا حازمًا، لا يقبل الجدل في الثوابت.. كلُّ ذلك عرفناه فيه ونحن نخطو خطواتنا الأولى نحو المعرفة والعلم، في بلدٍ كان في مطلع العشرية الثانية من نهضته الحديثة يرسمُ خطواته الثقافية بتسارع منقطع النظير، كانت علاقتنا به تنمو في كلِّ لقاء علمي يحضره، وفي كلِّ محفل رسمي يتربَّعُ على قمته حتى ارتقى سدة المسؤولية عميدًا، فمستشارًا ثقافيًّا في جامعتنا الفتية جامعة السلطان قابوس التي تأسست عام 1983م، وافتتحت رسميًّا في سبتمبر من عام 1986م، وحضر إليها الدكتور درويش في مارس من العام نفسه مع نخبة من الأكاديميين من أساطين العلم والمعرفة والأساتذة الأجلاء من أمثال: الدكتور صابر عرب، وحمدي السَّكوت، وشاكر عبد الحميد، وسعد دعبيس، وإبراهيم زين الصغيرون، وأحمد أمين مصطفى، وأحمد عبد اللطيف الليثي، وأبي همام، والطاهر الدرديري، ومحمد أمين، وفؤاد أبو حطب، وصلاح الدين جوهر، وغيرهم.
لم تكن الجامعة في ميلادها الأول إلا ثمرةً من ثمار لجانٍ علمية أكاديمية رصينة، أسهمت في إعداد مناهجها ووضع ثوابتها ورفع أعمدتها الأولى في سائر العلوم، ومنها العلوم الإنسانية والاجتماعية... لجانٌ صاغتها أنامل وأفكار وآراء كُلٍّ من: الأستاذ الدكتور محمد الشيبيني، والأستاذ الدكتور الطاهر مكي، ومحمود مكي، وفاروق شوشة، ومحمود فهمي حجازي، وكمال بشر، والسعيد بدوي، وعلي الدين هلال، وأحمد هيكل وغيرهم، فهؤلاء كلهم أرسوا القواعد الأكاديمية الأولى للجامعة وهي قيد التأسيس، وكانت جهودهم كبيرة ورُؤَاهم ثاقبة تَحْوِيهِم بالطبع قيادةٌ ورئاسةٌ حكيمةٌ، يتربعُ في كرسيِّها آنذاك سعادة الشيخ عامر بن على بن عمير المرهوبي، الرجل الذي ما زالت ذاكرتُنا تحتفظ له بحق التأسيس المميز لهذا الصرح العلمي المؤثر في نهضة بلدنا سلطنة عُمان؛ لأنه باختصار مثقف وقارئ، وذو خبرة طويلة في التعليم والتربية تمتد من زنجبار إلى عُمان.
لم يكن الدكتور أحمد درويش أستاذًا عاديًّا يُلقِي دروسه على طلاب قسم اللغة العربية بكلية الآداب- الـمُلْحَقة آنذاك بكلية التربية في عمادة واحدة - بوجلٍ وابتسار؛ بل كان مُتَمَعِّنًا فاحصًا متأملًا، شغوفًا متطلعًا، وفي كثير من الأحايين مُلْقيًا أسئلة حيرى لطالما مَثَّلَتْ في نفوسنا ومخيلتنا -ونحن المتابعون لحراكه الثقافي- كثيرًا من الدهشة والاستغراب، مما كان لها كبير الأثر في صقل مواهبنا تجاه الأدب والثقافة والقراءة والاطلاع، فَحَبَّبَ إلينا الشعر والقصة والمقالة والنقد وتاريخ الأدب، وعرَّفــنا برموز هذه الأجناس الأدبية ومبدعيها، وأبرز اتجاهاتها وخصائصها بأسلوبٍ شيق ممتعٍ جذاب، وبمنهج نقدي رصين، يستوي ذلك في جُلِّ اللقاءات التي حضرناها للدكتور درويش بشكل خاص؛ إذ لم نكن من بين طلابه المسجلين في مَوادِّهِ رسميًّا، بل وصل إلينا خبره عبر أساتذتنا وأصدقائنا الذين عَرَفوه قبلنا، من أمثال الدكتور محمد الذهب الأستاذ الأكاديمي العُماني الرائد في جامعتنا، فهو الذي عرفنا على الدكتور درويش في مطلع عام 1987م، ثم توطَّدت علاقتُنَا به عن قُربٍ بمبادراتٍ قاد زِمَامَها تلاميذُ الدكتور درويش المسجَّـلون رسميًّا في مواده التي كان يُدَرِّسُهَا بقسم اللغة العربية (النقد الأدبي، والأدب العُماني، والأدب الحديث، والأدب المقارن وغيرها)، فكنتُ أحضرُ محاضراتِهِ بصحبة ثلة من أصدقائي الأعزاء أذكر منهم على سبيل التمثيل لا الحصر: الشاعر الجميل الدكتور سيف الرمضاني، والدكتور سالم بن زويد الهاشمي، والدكتور سليمان الغتّامي، والدكتور عبد الله الهاشمي، والدكتور محمد المعشني وغيرهم.
لم يكن شغفنا بالدكتور درويش في تلك الفترة المبكرة قليلًا رغم تخرجنا من الجامعة وعملنا في إدارة جامعة السلطان قابوس، فقد كان الرجلُ نموذجًا للأستاذ الناجح الذي يَشدُّنا بمحاضراته ويَسْحَرنَا ببيانه، فتزداد نفوسنا توهجًا من وقع علمه وطرائقه في التدريس، وهذا لم يكن غريبًا طبعًا على الدكتور درويش، وهو الوحيدُ - فيما نَعلمُ - من بين زملائه ممن تخرجوا من الجامعات الفرنسية آنذاك، فقد كانت طريقته مزيجًا من حداثة الغرب وتقليدية العرب، معادلةٌ أخلصَ لها الدكتور درويش وتبنَّاها في منهجه العلمي، رغم تحفُّظه على بعض ما ساد الأدب العربي من حداثة طارئة؛ اعتبر من خلالها شططًا مصطلح قصيدة النثر "عصيدة النثر"([1])، فجاء موقِفُه هذا من واقع دراساته المستفيضة للشعر العربي، فنظراتُه إليه كانت حُبلى بالجديد والمستجد تنظيرًا وتطبيقًا، دون المساس بالثوابت الأصيلة في ثقافتنا العربية... كان منهجه دومًا منهجَ المفارقة بموهبة حباها الله لهذا الرجل، هي نادرة في زمنه، وقد لا تتوفر لدى الكثيرين ممن التقينا بهم في تلك الفترة الأولى من تكويننا العلمي، عدا أسماء حفرت لأنفسها مجالا في مخيلتنا الثقافية والمنهجية بوعي واقتدار، أسماء يدخل فيها الدكاترة النقاد أمثال: صلاح فضل، وجابر عصفور، وعلوي الهاشمي، وإبراهيم غلوم، وسليمان العطار، وحلمي مرزوق، ومحمد ديب، وهلال الشايجي وغيرهم؛ فهؤلاء تأسَّست معرفتنا بهم مبكرًا منذ أن كنّا طلابًا على مقاعد الدراسة في جامعة البحرين التي شَرُفْنَا بالدراسة فيها في أوائل ثمانينيات القرن العشرين؛ أي قبل افتتاح جامِعتنا الوطنية (جامعة السلطان قابوس) بعامين تقريبًا.
وتأسيسًا على ذلك فنحن لا نبالغ إن وصفنا موهبة الدكتور بالتفرد والمغايرة، تبرهنه كل اللقاءات الفكرية التي حضرناها لهذا العالم المفكر، سواء في المحافل الثقافية المحلية في الجامعة، أو في محيطها الخارجي الذي كانت تدفعُ به أنشطة النادي الثقافي، أو المنتدى الأدبي، أو ما كان يُسَمَّى بالهيئة العامة لأنشطة الشباب الثقافية، أو المؤسسات الإعلامية والصحفية كإذاعة سلطنة عُمان، والتلفزيون العُماني، وملاحق صحيفتي "عُمان" و"الوطن"، فقد كان الدكتور درويش حاضرًا حضورًا بَــيِّــنًا في أَغلب هذه المنابر الإعلامية، وفي شتى المناسبات الـمُلحقة بها، وليس أدلّ على ذلك مما قدَّمه فيها من إسهامات باتت تشكِّل الخطوة البحثية الأولى في ثقافتنا الأدبية العُمانية الحديثة، وهي إسهامات تشاركه فيها أسماء من أمثال: الدكتور علي عبد الخالق صاحب كتابي "الشعر العُماني مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية" الصادر عن دار المعارف عام 1984م، و"الستالي حياته وشعره" الذي صدر عن دار المعارف أيضًا وفي العام نفسه، والأستاذ يوسف الشاروني القاص المعروف مؤلف عدد من الكتب العُمانية، أشهرها "الأدب العُماني الحديث" و"سندباد في عُمان" الصادر عن الهيئة العامة للكتاب عام 1986م، والدكتور سعد دعبيس صاحب كتاب "دراسات في الشعر العُماني" الصادر عن دار المعرفة الجامعية عام 1992م، وأبي همام عبد اللطيف مؤلف كتاب "في الشعر العُماني"، والدكتور سعيد العَلوش صاحب كتاب "إشكالية الثقافة الخليجية في نقد النقد الأدبي العُماني" 1999م. أمـّا ما تفرّد به الدكتور درويش-في رأينا فَيَكْمُنُ -بالإضافة إلى هذا العمل البحثي- في تواصله الشفوي عبر أثير الإذاعة العُمانية وتقديمه لبرنامج دوري هو "من كنوز الثقافة العربية"، والذي ابتدأه بمُسَمَّى "إن من الشعر لحكمة" ومن ثم "إن من البيان لَسِحْرا"، وقد قدّم فيه قرابة خمسة آلاف حلقة شَنَّفَ بها أسماع المستمع العُماني والعربي لمدة قاربت خمس سنوات أو يزيد.
ولم يقصر الدكتور درويش نشاطه على هذا البرنامج الإذاعي وحده؛ بل أتبعه ببرنامج آخر تلفزيوني سمّاه " من شعاع الحضارة "، وقد استضاف فيه خِيرَةَ الـمُفكِّرينَ والباحثين والعلماء، وقدَّم فيه إضاءات فكرية ومناقشات شملتْ مختلف مستويات الخطاب الفكري عبر مراحل التاريخ الثقافي والأدبي للحضارة العربية.
ومن اللافت للنظر في هذه الحوارات الثقافية التي أدارها الدكتور درويش قدرتُه على تبني القضية المطروحة والغوص في أرجائها، حتى إن المستمع لا يكاد يشعرُ بفارق التخصص الذي ينتمي إليه الدكتور درويش عن تخصص أولئك الأعلام الذين استضافهم في برنامجه، فتراه مناقشًا ومعارضًا ومتدخلًا في نقاط تمثل لبّ تخصص الشخصية التي يستضيفها، تحدوه في ذلك قدرةٌ لغوية عجيبة، وأسلوب شعري مبهر جذاب، إضافة إلى طريقة بديعة في الإلقاء لا يكاد يجيدها سوى كبار الإذاعيين والإعلاميين والأدباء، وهو يذكرك وأنت تستمع إليه بجيلِ العمالقةِ في الفكر والفن، وعلى رأسهم طه حسين، والعقاد، والرافعي، وحسن الكرمي صاحب البرنامج الأدبي "قول على قول"، وغيرهم.
وفي إطار أكاديمي آخر يُحسَبُ للدكتور درويش نشاطٌ ثقافيٌّ حينما اضطلع بوظيفة عمادة كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس، حيث خلق طقسًا علميًّا استقاه من واقع خبرته العلمية ودراسته الأكاديمية في الجامعات الفرنسية، هذا الطقس يتمثل في تبنيه لبرنامج "الدرس الافتتاحي"، وهو درسٌ تستفتح به الجامعات عادة باكورة فصولها الدراسية، وقد شرع فيه استقطاب أسماء لامعة في حقول المعرفةِ الإنسانية، ويهدفُ إلى تعريف الوسط الأكاديمي والطلابي برموز الفكر العربي المقرر أساسًا في المناهج الدراسية؛ بُغية الرؤية المباشرة والحوار المفتوح، وقد دُعِي إليه ثلةٌ من العلماء أتيحت لهم زيارة السلطنة لأول مرة رغم أنها تحمل جذوة معرفتها العلمية والتاريخية والحضارية، وهنا أدرك الطلبة أفكار "صلاح فضل"، و"فهمي جدعان" و"أحمد الفلاحي" و"جابر عصفور" و"سيف الرحبي"، وآخرين تمت استضافتهم تباعًا في فترات متلاحقة من عام 2001م.
لم يكن الدكتور درويش يُقدِّمُ هذا الدرسَ إلا وهو يدركُ أنه في جامعة توَّاقَةٍ إلى كلِّ ما هو جديد، يحدُوهُ في ذلك فهمُهُ للشخصية العُمانيةِ المتلهفة أصلا لمسارات التجديد، وتلك جِبِلَّةٌ عُهِدَت في العُمانيين، منذ أمد بعيد.
ولم تقتصر جهودُه في هذا المجال على هذا البرنامج، بل كان حاضرًا بدراساته وأبحاثه في أغلب الندوات واللقاءات والمناشط التكريمية التي يُقيمُها المنتدى الأدبي الوليد آنذاك (أي في عام 1987م) لأعلام الأدب العُماني احتفاءً بهم وتثمينًا لأدوارهم الثقافية، ونسوقُ هنا أمثلة من مناشط الدكتور درويش في هذه الفعاليات؛ فحين كرم المنتدى الأدبي الأديب عبد الله الطائي (1924- 1972م) في نوفمبر من عام1990م شارك ببحث عنوانه "عبد الله الطائي وآفاق الشعر العُماني المعاصر"، وحين قُدِّرَ للمنتدى الأدبي الاحتفاء بالشيخ عبد الله الخليلي (1934 2000م) في الفترة من 19-20 فبراير1990م كتب الدكتور درويش بحثًا عنوانه "مظاهر معاصرة الجيلين في شعر عبد الله الخليلي"، وحين رصد المنتدى الحضور العُماني في الشرق الإفريقي قدَّم الدكتور درويش مداخلته الموسومة بــ"الوجود العُماني وأثره في ازدهار العربية في شرق إفريقيا"، وقد نشرت هذه الدراسات كلها في دورية المنتدى الأدبي "فعاليات ومناشط" بين عامي 1991-1994م.
ويضاف إلى هذا النشاط الأكاديمي البحثي نشاطٌ ثقافيٌّ آخر قام به الدكتور درويش في هذه المرحلة: (أي مرحلة توليه وظيفة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية


