أثير- د. محمد بن حمد العريمي
عرفت عُمان في تاريخ إعلامها الحديث عددًا من المصورين البارزين الذين استطاعوا بعدسات كاميراتهم أن يواكبوا التحولات الكبيرة التي شهدتها البلاد، وأن يوثقوا بالصورة مراحل التقدم والتنمية التي عرفتها السلطنة في مختلف المجالات، فقد كانت عدساتهم شاهدًا بصريًا على زمنٍ يتشكل، تنقل تفاصيل الحياة اليومية، وتلتقط لحظات الإنجاز الوطني، وتقدّم للعالم صورًا نابضة بملامح النهضة العُمانية ومسيرتها المتواصلة.
ومن بين هؤلاء المصوّرين المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري، أو عبدالله بن سالم العلوي (1947 2006) بوصفه واحدًا من الرواد الذين حملوا الكاميرا في زمنٍ كانت فيه الصورة ما تزال تكتشف طريقها إلى صفحات الجرائد وذاكرة الوطن.
وُلد في نيابة الأشخرة الساحلية، فشبّ على إيقاع البحر واتساع الأفق، قبل أن تقوده خطواته المبكرة إلى مدينة الدمام في المملكة العربية السعودية، حيث تعرّف لأول مرة إلى أسرار العدسة وغرف التحميض، وتعلّم أصول المهنة في استوديوهات التصوير التقليدية.
تقترب أثير في هذا التقرير من جانبٍ من سيرة المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري، مستعرضةً ملامح شخصيته ونشأته الأولى، والبدايات التي قادته إلى حبّ التصوير، إضافةً إلى محطات مسيرته المهنية، وأبرز اللحظات التي شكّلت علاقته بالكاميرا، تلك العلاقة التي تحوّلت مع الزمن إلى رحلة طويلة في توثيق الأحداث والوجوه واللحظات التي صنعت جانبًا من ذاكرة عُمان الحديثة.
الميلاد والنشأة
وُلد المصور عبدالله بن سالم بن جمعة البرهمي الجعفري في عام 1947م بنيابة الأشخرة الساحلية التابعة لولاية جعلان بني بو علي، تلك البلدة التي عُرفت عبر تاريخها بصلتها الوثيقة بالبحر وبحياة الملاحة والصيد، وبما تمتلكه من إرث بحري عريق أسهم في تشكيل ملامح المجتمع المحلي وثقافته، وفي هذه البيئة الساحلية المفتوحة على البحر، نشأ عبدالله بن سالم في سنوات طفولته الأولى، متأثرًا بطبيعة المكان وتفاصيل الحياة اليومية التي كانت تعكس بساطة المجتمع وتماسكه في تلك الفترة.
ومع بدايات خمسينيات القرن العشرين سافر مع والده إلى المملكة العربية السعودية، وتحديدًا إلى مدينة الدمام، في سياق الهجرات التي شهدتها تلك المرحلة بحثًا عن فرص العمل والمعيشة، وقد أتاحت له هذه التجربة المبكرة التعرف إلى بيئات جديدة والاحتكاك بمجتمعات مختلفة، الأمر الذي أسهم في توسيع مداركه وصقل تجربته الحياتية في سن مبكرة، قبل أن يعود لاحقًا إلى عمان ويبدأ مسيرته المهنية التي ستقوده ليكون أحد أبرز المصورين الصحفيين في البلاد.
بداية علاقته بالكاميرا
في عام 1961م، وأثناء إقامته في مدينة الدمام، وكان لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، بدأ عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري أولى خطواته المهنية عندما التحق بالعمل مساعدًا للأعمال في استوديو للتصوير يُعرف باسم (استوديو الأهلي)، وكان يملكه مصور من الجنسية البحرينية يدعى عبدالله خليفة، وقد شكّل هذا العمل المبكر نقطة التحول الأولى في حياته، إذ وجد الفتى نفسه قريبًا من عالم الكاميرا والصورة، ذلك العالم الذي سيصبح لاحقًا مهنته وشغفه.
ومع مرور السنوات القليلة من العمل، لاحظ صاحب الاستوديو شغف عبدالله ورغبته الجادة في تعلم أسرار المهنة، فبدأ بتعليمه أساسياتها تدريجيًا، وكانت البداية بتعلم تحميض الأفلام داخل غرفة التحميض (Dark Room)، وهي المرحلة الدقيقة في صناعة الصورة الفوتوغرافية قبل انتشار التقنيات الرقمية، وبعد أن أتقن هذه المهارة، انتقل ليتعلم التصوير الفوتوغرافي نفسه، مستخدمًا الكاميرات الثابتة المعروفة آنذاك باسم كاميرات الاستاند، وهي الكاميرات الكبيرة التي كانت تُستخدم في الاستوديوهات لتصوير الأشخاص والوجوه الرسمية.
ومع اكتساب الخبرة العملية، انتقل عبدالله لاحقًا للعمل في استوديو (المصور العصري) الذي كان يملكه المصور إبراهيم الجريان في منطقة رحيمة التابعة لمدينة القطيف بالمملكة العربية السعودية، وهناك واصل صقل مهاراته في التصوير والتحميض، واكتسب خبرة مهنية أوسع في مجال الاستوديوهات الفوتوغرافية.
وبعد فترة من العمل في القطيف، عاد إلى الدمام ليتولى إدارة فرع استوديو (المصور العصري)، في خطوة تعكس الثقة التي حظي بها نتيجة مهارته وإتقانه للمهنة رغم صغر سنه آنذاك، وهي تجربة مبكرة أسهمت في بناء شخصيته المهنية ومهدت الطريق أمام مسيرته اللاحقة في مجال التصوير الصحفي.
العودة إلى الوطن والعمل في جريدة «عمان»
في عام 1971م عاد المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري إلى أرض الوطن بعد سنوات من العمل واكتساب الخبرة في مجال التصوير بالمملكة العربية السعودية، وجاءت عودته في فترة كانت تشهد بدايات التحول الإعلامي في السلطنة مع انطلاق المؤسسات الصحفية الحديثة، فالتحق بقسم التصوير في وزارة الإعلام، وقد عمل إلى جانب عدد من زملائه الذين جمعته بهم تجربة العمل في المملكة العربية السعودية، ومن بينهم المصور تغلب بن هلال البرواني، وكذلك المصور جاسم بن عبدالله البجّالي.
ومع صدور جريدة عمان في نوفمبر عام 1972م، التحق عبدالله الجعفري بالعمل فيها مصورًا صحفيًا، ليكون من بين الجيل الأول من المصورين الذين أسهموا في تأسيس التصوير الصحفي في السلطنة.
وحول بدايات قسم التصوير في الجريدة، والتحاق الجعفري بها يذكر الصحفي والكاتب ورئيس التحرير الأسبق الشيخ حمود بن سالم السيابي أن دائرة التصوير شهدت توسعًا ملحوظًا في عهد الأستاذ تغلب البرواني، إذ يقول: قد توسعت دائرة التصوير في عهد الأستاذ تغلب البرواني، فالتحق بها الكبار أمثال عبدالله بن سالمين الخروصي، وعبدالله بن سالم البرهمي، ومسلم الجعفري، وراشد الجعفري، وخليفة الرحبي، وعامر الرحبي، وكمال جانو، وفي المرحلة الثانية لمبنى روي تم الاندماج مع الوكالة وتوسع التصوير ليشمل سعيد الحراصي، وفاضل عبدالواحد، وسالم المحاربي، وعمر الزدجالي، ومحمود عبدالفتاح .
وقد شكّل هذا الفريق من المصورين نواة العمل الفوتوغرافي الصحفي في جريدة عمان ، وأسهموا بعدساتهم في توثيق أحداث النهضة العمانية في سنواتها الأولى، من خلال تغطية الفعاليات الرسمية والمناسبات الوطنية والأنشطة المجتمعية، وهو ما جعل صورهم جزءًا من الذاكرة البصرية للصحافة العمانية.
الكاميرات وتقنيات التصوير في بدايات جريدة عمان
يذكر عبد الرحيم نجل المصور عبدالله بن سالم الجعفري أن أول كاميرا استخدمها والده بعد التحاقه بالعمل في الجريدة من نوع (Royal Flex) السويدية الصنع، وهي من الكاميرات الاحترافية التي كانت مستخدمة في الصحافة آنذاك قبل ظهور الكاميرات الرقمية، حيث اعتمد المصورون على الأفلام الفوتوغرافية التي تُحمّض في غرف التحميض التقليدية.
كما يذكر المصور عبدالله الخروصي، الذي تزامل مع المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري أثناء عملهما في جريدة عمان، أن بدايات التصوير الصحفي في الجريدة ارتبطت باستخدام كاميرات احترافية متقدمة في ذلك الوقت، كان من أبرزها كاميرات شركة هاسيلبلاد السويدية العريقة، التي كانت تعتمد على أفلام فوتوغرافية كبيرة بحجم 120 مليمترًا، وهي كاميرات معروفة بدقة صورها وجودتها العالية.
وبعد فترة من العمل بتلك الكاميرات، تم إدخال أنواع أخرى من الكاميرات، من بينها كاميرات شركة كوفا التي كانت تستخدم كذلك أفلامًا بحجم 120 مليمترًا، إلى جانب كاميرات أصغر حجمًا من شركات كونيكا مينولتا، ونيكون، والتي تعتمد على أفلام أصغر، الأمر الذي منح المصورين مرونة أكبر في الحركة والتغطية الميدانية.
ويشير الخروصي إلى أن الفارق الزمني بين استخدام الكاميرات ذات الأفلام الكبيرة والصغيرة لم يكن طويلًا، إذ لم يتجاوز في بعض الأحيان بضع سنوات أو ربما أشهر قليلة، في ظل التطور السريع في تقنيات التصوير آنذاك.
كما يلفت إلى أن الأفلام الملوّنة كانت نادرة في السنوات الأولى من صدور الجريدة، حيث كانت معظم الصور تُلتقط بالأفلام الأبيض والأسود، نظرًا لارتفاع تكلفة الأفلام الملونة وصعوبة تحميضها في تلك المرحلة.
ويضيف الخروصي أن مصوري جريدة «عمان» استخدموا أيضًا الكاميرات الفورية، مثل كاميرات شركة بولارويد، التي كانت تنتج الصورة مباشرة بعد التقاطها، وهو ما كان يعد آنذاك من التقنيات المتقدمة التي تساعد المصورين على معاينة الصورة فورًا دون انتظار عملية التحميض التقليدية.
افتتاح أستوديو تصوير
في مطلع السبعينيات الميلادية، وبعد التحاقه بالعمل الحكومي، اتجه المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري إلى خوض تجربة العمل الحر إلى جانب عمله الصحفي، فقام بافتتاح مشروعه الخاص بالاشتراك مع زميله جمعة بن محمد الجعفري، حيث أسسا أستوديو تصوير في مدينة مسقط.
وقد أُقيم الأستوديو في بدايته بالقرب من القصر العامر قصر العلم قبل عمليات الترميم والتطوير التي شهدتها المنطقة لاحقًا، وأطلق عليه اسم (أستوديو الشعب)، ويعد هذا الأستوديو من أوائل استوديوهات التصوير التي كانت تدار بأيدٍ عمانية في سلطنة عمان، بل يشار إليه بوصفه أول أستوديو تصوير تحت إدارة عمانية في البلاد، في فترة كان فيها هذا المجال ما يزال في بداياته.
وحول افتتاح الاستديو يذكر الكاتب الشيخ حمود بن سالم السيابي: " كان أول أستديو يفتح في مسقط إذا استثنينا المحل الذي يحمل لوحة كوداك بجوار مكتبة النجاح بسوق الداخل... كان أستديو الشعب بحق هو الأول في عمان الحديثة يدار بأيدٍ عمانية. ومن محاسن الصدف أن تتكرر مشاهد الأستديو الأهلي والاستديو العصري حيث الوجوه التي التقاها المصور البرهمي في الدمام والقطيف لأجل استصدار جواز سفرٍ من دولة المنفى ها هي تعود لتستصدر جوازًا من حكومة سلطنة عمان .
وقد أسهم الأستوديو في تقديم خدمات التصوير للأهالي والزوار، وتوثيق العديد من الصور الشخصية والرسمية في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ النهضة العمانية.
ومع بدء الأعمال الإنشائية لتطوير مدينة مسقط القديمة في السبعيينات، تم نقل الأستوديو إلى موقع جديد بالقرب من بوابة مسقط، حيث واصل نشاطه في تقديم خدمات التصوير، وظل شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة وتحولاتها العمرانية.
أول صورة مسجّلة
تعود أول صورة مسجَّلة باسم المصور عبدالله بن سالم البرهمي الجعفري بحسب ما ذكره الصحفي والكاتب ورئيس تحرير جريدة عمان الأسبق الشيخ حمود بن سالم السيابي إلى شهر نوفمبر من عام 1972م، وهي صورة التقطها من داخل المبنى الأول لـجريدة عمان الواقع شرقي معسكر بيت الفلج.
وقد وثّقت تلك الصورة لحظة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة أثير الإلكترونية





