مع اقتراب طي صفحة طويلة من المعاناة الإنسانية التي عاشها مغاربة محتجزون في مخيمات تندوف، يبرز سؤال المرحلة: ماذا بعد العودة؟ فالقضية لم تعد فقط سياسية أو دبلوماسية، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع والدولة على إدارة مرحلة ما بعد النزاع، بما تحمله من تعقيدات نفسية وثقافية واجتماعية.
لقد شكل قرار مجلس الأمن الدولي الأخير محطة مفصلية في مسار هذا الملف، خصوصًا مع ما حمله من دعم لمقترح الحكم الذاتي كحل واقعي. غير أن أهمية القرار لا تكمن فقط في مضمونه السياسي، بل في كونه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتطلب عقلًا باردًا ورؤية بعيدة المدى.
العودة إلى الوطن لا تعني بالضرورة نهاية المعاناة. فالكثير من العائدين يحملون معهم تراكمات نفسية وتجارب قاسية تشكلت عبر عقود من العزلة والتأطير الإيديولوجي. هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة سوسيولوجية متكاملة، تُعنى بإعادة الإدماج، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، بل أيضًا على مستوى الهوية والانتماء.
المصالحة في هذا السياق ليست شعارًا، بل عملية معقدة تتطلب تفكيك الصور النمطية، وتجاوز خطاب التخوين، وفتح المجال أمام سرديات متعددة. فالقناعات التي سادت في فترات سابقة لم تكن دائمًا نتاج اختيار حر، بل نتيجة ظروف تاريخية وسياسية معقدة.
وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة التمييز بين فئات مختلفة داخل هذا الملف، حيث تظل أولوية المصالحة موجهة نحو المحتجزين والمغرر بهم من المواطنين الصحراويين، في حين تبقى بعض الحالات الأخرى، المرتبطة بارتكابات جنائية أو ارتباطات غير قانونية، خاضعة للمساطر القضائية ولمنطق دولة القانون، بما يضمن تحقيق العدالة دون الإخلال بمبدأ الإنصاف.
إن الرهان اليوم هو الانتقال من منطق من كان على حق إلى منطق كيف نبني معًا . ففاتورة نصف قرن من التوتر لا يمكن تسديدها بخطاب انتصاري أو إقصائي، بل عبر بناء ثقة تدريجية تستند إلى العدالة والإنصاف، وتُترجم في سياسات عمومية دامجة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال التحولات العميقة التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة، حيث عمل على توفير بنية تحتية متقدمة وشروط عيش حديثة لفائدة مواطنيه، بما في ذلك الأقاليم الجنوبية. فقد تم تطوير مدن وقرى وفق معايير عمرانية متقدمة، مدعومة بشبكات طرق حديثة، وموانئ استراتيجية، ومطارات دولية، إلى جانب استثمارات في مجالات الصناعة والفلاحة والتعليم العالي، من خلال جامعات ومراكز استشفائية جامعية عصرية.
هذه الدينامية التنموية لا تكتسي فقط بعدًا اقتصاديًا، بل تحمل أيضًا رسالة سياسية وإنسانية مفادها أن الاندماج في الوطن يفتح آفاقًا حقيقية للكرامة والاستقرار. وفي المقابل، يلاحظ أن العديد من هذه المقومات لم تكن متاحة بنفس المستوى في البيئات التي نشأت فيها أطروحات الانفصال، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى الخيارات التي تبلورت في سياقات سابقة.
وفي هذا الإطار، يبرز دور المجتمع المدني والنخب الفكرية في تأطير هذا التحول، من خلال نشر ثقافة الحوار، وتثمين الاختلاف، وتفكيك إرث العنف الرمزي. كما أن الإعلام مدعو إلى لعب دور مسؤول، بعيدًا عن الإثارة أو التجييش، من أجل مواكبة هادئة لهذا التحول التاريخي.
بعيدًا عن الحسابات الضيقة، تظل المنطقة المغاربية في حاجة إلى نفس جديد. فالحلم الذي راود أجيال المقاومة ضد الاستعمار، سواء الفرنسي أو الإسباني، لم يكن مجرد استقلال قطري، بل بناء فضاء إقليمي متكامل. واليوم، ومع ما تزخر به المنطقة من إمكانات طبيعية وبشرية، يصبح هذا الحلم أكثر إلحاحًا.
غير أن تحقيقه يمر أولًا عبر تسوية عادلة ومستدامة للنزاعات القائمة، وعلى رأسها قضية الصحراء. فبدون استقرار سياسي، لا يمكن الحديث عن تنمية مشتركة أو تكامل اقتصادي.
المصالحة الحقيقية لا تعني النسيان، بل تعني الفهم. فهم ما حدث، ولماذا حدث، وكيف يمكن تفادي تكراره. إنها دعوة إلى مراجعة فكرية هادئة، تُعيد الاعتبار للإنسان كقيمة مركزية، بعيدًا عن الاصطفافات الحادة.
في النهاية، تبقى عودة المحتجزين خطوة إنسانية نبيلة، لكنها ليست نهاية الطريق. إنها بداية لمسار طويل من إعادة البناء، يتطلب شجاعة في الاعتراف، وحكمة في التدبير، وإيمانًا بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل إذا ما أُحسن صناعته.
بقلم: أحمد بومهرود، باحث في الإعلام والصناعة الثقافية
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
