أصبح من المثير للقلق، أن تتحول بعض المنصات الرقمية، التي يديرها يوتوبرز يقيمون خارج المغرب، إلى فزاعة لترهيب الصحافة، يتم توظيفها في سياقات ترتبط بشخصيات عمومية وفنانين، من أجل التلويح بمتابعات قضائية وتسريب معطيات يفترض أنها لا تزال داخل دائرة السرية القانونية، في استباق غير مفهوم لمؤسسة القضاء والأجهزة الأمنية.
وفي الوقت الذي يكفل القانون لكل شخص، تضرر من مقال صحافي، سواء كان وزيرا أو غفيرا، حق الرد، وحق اتباع المسطرة القانونية واللجوء إلى القضاء، والمطالبة حتى بتعويضات، أصبحنا نجد أن بعض الشخصيات العمومية، تفضل اللجوء إلى خدمات يوتوبرز ، من أجل الهجوم على كل من ينتقدها، واستعمال أساليب زنقاوية لإسكات صوت الصحافة، بل ومنحهم الأخبار غير المسبوقة و السكوبات ، وهو ما يطرح العديد من علامات الاستفهام حول نوعية هذه العلاقات المريبة، خاصة أن بعض هؤلاء مقيمون خارج الوطن، ومنهم الانفصاليون وأعداء الوطن أيضا.
السكوب قبل القضاء.. من أين تأتي المعلومات؟
هذه الشخصيات العمومية، التي من الطبيعي أن تتعرض لها الصحافة بالنقد والكتابة، أصبحت تختار، بدل اللجوء مباشرة إلى المؤسسات الرسمية والتواصل القانوني الطبيعي، الاستعانة ب يوتوبرز ومدهم بالأخبار والمعلومات لشن حملات ضغط وتهديد ضد الصحافيين، فقط لأن أحدهم علّق أو ناقش أخبارا مرتبطة بهم.
والخطير في الموضوع ليس فقط الهجوم اللفظي أو التحريض الرقمي، بل إن أحد هؤلاء اليوتوبرز ، المقيم بدولة أجنبية، صار يعلن بشكل متكرر عن وجود شكايات أو متابعات قضائية ضد صحافيين، بل ويتحدث عنها وكأنها سبق حصري قبل أن تصل حتى إلى القضاء أو الأجهزة الأمنية المغربية. وهنا يبرز سؤال قانوني وأخلاقي خطير، كيف يحصل شخص خارج المغرب على معطيات يفترض أنها لم تدخل بعد المساطر القضائية العلنية؟ ومن الجهة التي تسرب له هذه المعلومات؟ وهل أصبح بعض اليوتوبرز بديلا غير رسمي عن المؤسسات القضائية والأمنية؟
في دولة المؤسسات، لا يمكن القبول بتحويل التهديد بالمتابعة القضائية إلى عرض يومي على اللايفات ، ولا أن يصبح التشهير بالصحافيين وسيلة لإرهابهم معنويا ودفعهم إلى الصمت قبل حتى أن يقول القضاء كلمته.
الصحافة ليست جريمة
وبموجب المجلس الوطني للصحافة، فإن العمل الصحافي المؤطر بالقانون يظل حقا دستوريا مكفولا، كما أن قانون الصحافة والنشر بالمغرب وضع آليات واضحة للتقاضي والرد والتصحيح، دون اللجوء إلى حملات الترهيب والتشهير والتحريض الرقمي. الفنانة أو الشخصية العامة، بحكم حضورها داخل المجال العمومي، تبقى عرضة للنقاش والمتابعة الإعلامية والنقد، ما دام ذلك يتم في إطار احترام القانون وعدم المس بالحياة الخاصة أو نشر معطيات زائفة. أما محاولة خلق حصانة إعلامية حول شخص معين، والتعامل معه وكأنه فوق النقاش أو المساءلة، فذلك يضرب جوهر حرية التعبير في العمق.
والأخطر أن بعض هؤلاء اليوتوبرز لا يخفون عداءهم للمغرب ولمؤسساته، ومن بينهم أسماء سبق أن أثير حولها الكثير من الجدل بسبب خطابها العدائي وتحريضها المستمر ضد البلاد من الخارج، على غرار اليوتوبر المعروف بلقب الخولالي ، وهو شخص يقدم نفسه معارضا لكنه تحول في نظر كثيرين إلى منصة للهجوم المستمر على مؤسسات الدولة ورموزها.
يوتوبرز الخارج.. واجهات مجهولة لتصفية الحسابات
والأكثر إثارة للريبة في هذه القضية، أن اليوتوبر الذي قام بتسريب خبر المتابعة القضائية المفترضة ضد صحفية مغربية، لا يبث من داخل المغرب، بل يقيم بدولة أوروبية ويعتمد على لايفات متواصلة يهاجم فيها صحافيين ومواقع إعلامية بشكل ممنهج، مع تقديم نفسه وكأنه يمتلك معطيات حصرية من قلب الملفات القضائية قبل وصولها حتى إلى المؤسسات المختصة.
وهنا يصبح التساؤل أكثر خطورة، لصالح من يشتغل هذا اليوتوبر؟ وما الجهة الأجنبية التي يمكن أن يكون مرتبطا بها أو يخدم أجندتها من خلال هذا السلوك العدائي تجاه الصحافة المغربية؟ فحين يتحول شخص يقيم خارج التراب الوطني إلى مصدر تسريبات وتهديدات واستباق لقرارات قضائية، فإن الأمر لم يعد مجرد محتوى يوتيوب عابر، بل أصبح يطرح علامات استفهام حقيقية حول طبيعة الشبكات التي تتحرك في الخلفية، وحول العلاقة التي تربطه بهذه الفنانة التي اختارت، بدل اللجوء إلى المؤسسات الرسمية مباشرة، الاحتماء بأصوات رقمية مشبوهة لتوجيه رسائل تخويف وترهيب للصحافيين.
أما السؤال الجوهري، فهو إذا كانت الفنانة واثقة من موقفها القانوني، فلماذا الحاجة إلى توظيف يوتوبرز الخارج وإطلاق حملات استباقية ضد الصحافيين؟ ولماذا يتم تقديم الصحافة كعدو يجب إخافته وإسكاته بدل مواجهة ما ينشر عبر القانون والمؤسسات؟
إن استعمال منصات أجنبية أو أشخاص يقيمون بالخارج للضغط على إعلاميين مغاربة، يفتح الباب أمام مخاوف حقيقية تتعلق بمحاولات التأثير على حرية الصحافة من خارج الحدود، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة وشخصيات عامة يفترض أن تخضع للنقاش العمومي والنقد مثل أي فاعل داخل المجتمع.
من يحمي من؟
ما يحدث اليوم يطرح أسئلة أكبر من مجرد خلاف بين شخصيات عمومية وصحافيين. نحن أمام ظاهرة تستدعي نقاشا وطنيا حقيقيا حول توظيف بعض المنصات الرقمية بالخارج للتأثير على الرأي العام المغربي، واستعمال التخويف والتشهير كوسيلة للضغط على الإعلام. فهل أصبحت بعض الشخصيات النافذة تستعمل يوتوبرز المنفى كأذرع رقمية لتصفية الحسابات وترهيب الصحافيين؟ وهل المطلوب اليوم من الصحافة أن تصفق فقط وتردد أن الفنانة عظيمة ولا يجوز الاقتراب منها أو من الملفات المرتبطة بها؟
إن الصحافة ليست جهاز دعاية، والصحافي ليس مطالبا بالحصول على رضى المشاهير قبل النشر. وحين تصل الأمور إلى استعمال منصات خارجية لتخويف الإعلاميين والتلويح بمتابعات قبل حتى سلوك المساطر القانونية الطبيعية، فإن الأمر يتجاوز حرية التعبير إلى محاولة واضحة لصناعة مناخ من الترهيب الرقمي الممنهج.
هذا المحتوى مقدم من آش نيوز
