صلاح بوسريف: العَتَبُ علَى النَّظَر

لا أمْتَعِضُ من النقد، ولا من أيّ اختلافٍ في الرأي، ولا من وُجُود رأي غير رأيي، فالطبيعة نفسُها فيها الاختلاف، وفيها التَّنوُّع والتَّعَدُّد، وفيها ما نراه جميلاً، وما يبدو لنا قبيحاً، وهي طبيعَةٌ، لأنَّها تقُوم على هذه الاختلافات التي هي جوهر جمالها، وجوهر فتنتها، واندهاشنا أمام ما تصنعُه من ظِلالٍ، ومن مياه وأنهار، ومن خُضْرَة، وازدهار. فما بالُك بالإنسان وهو يُفَكِّر، ويَكْتُب، أو بالحاكم وهو يُدِير البلاد، وبالسِّياسيّ وهو في منصب السلطة وتدبير الشأن العامّ، فهو غير مُنزَّه عن الخطأ، وعن سوء التدبير والتقدير، كما أنَّه قادر، متى كان عقلُه وخيالُه يَقِظَيْن، أن يُبْدِع، ويَبْتَكِر، ويبني، ويُشَيِّد، ويخلق فُرَص الشُّغْل العمل، ويجعل البلاد، مثل الطبيعة، تزدهر، لا لتموت، بل لِتُعْشِبَ وتُخْصِبَ، ويكون فيها الرخاء والثَّراء، لا لفئة دون أخرى، بل لجميع النَّاس، كُلّ بما يصل إليه، بجهده، وطاقته، وإمكاناته، وما يَدَّخِرُهُ في خياله وعَقْلِه من طاقَة على العمل والاجتهاد، وما عنده من روح مسؤولية عالية، لا يتهاون في العمل، ولا في إحقاق الحَقّ، ودَفْع الباطِل.

وإذن، فالنقد، حين يكون، لا يكون بالضرورة لأننا أفْسَدْنا فقط، بل لأنَّنا نجحنا في ما نعملُه، ولكنَّ غيرنا يرى في نجاحنا بعض القُصُور، أو أنَّ ما نحن عليه من رؤية ومنهج، لا يكفيان لنبلُغ ما يصبوا إليه من ينتقدنا، سواء في ما نكتُبُه ونقُوله، أو ما نُدِيرُ به الحكم والسلطة، ومعاش النَّاس، والعمران عموماً.

ولعلَّ خطر الاختلاف، يكون أشَدّ مَضَاضَة حينما يصدر عن المثقف، هذا الذي يكون اسْتَكان للشَّكْل الواحِد، وللفِكْر والواحد، وللرأي الواحِد، وللعين الواحدة، والأذن الواحدة، الشِّعْر عنده، مثلاً، هو ما كُتِبَ في زمان تبدَّلَ ذَوْقُه، وتبدَّلت معاييره، ومقاييسه، وتبدَّلَتْ لُغَتُهُ، وتبدَّل الرأي والنقد فيه، وكأنَّ هذا المثقف، ما يراه هو، هو ما على غيره أن يراه، وهذا هو العَمَى بعينيه المُسْمَلَتَيْن، ما يكون فيهما من ظُلْمَةٍ، يعتقده نوراً، وهذا خَلل في الرأي والرؤية معاً، أمَّا الرؤيا، فدونها وخرط القَتاد، كما يُقَال.

إذا كان الحاكم، أو السِّياسِيّ يسعى لتمويه الرأي العام، بما يعرضه من إنجازات لا تُوجد إلَّا في خياله، فهذا لا يجوز في المثقف والمُفَكِّر والعالِم، هؤلاء نُذِرُوا لقول الحقيقة، أو ما يكون حقيقة نسبيَّة، خُصوصاً حينما يكونون من مُراقِبِي الصيرورة، لا ممن بقَوْا في محطة القطار المُعْتِمَة الفارغة التي تُصَفِّر الرِّيحُ في كُلّ جنباتها، ينتطرون الماضي أن يعُود، كلامهم كُلُّه ماضٍ، وهُم ماضَوِيُّون، وماضون، لا هُم يعيشون الحاضر، ولا المستقبل بادٍ منه شيء لهُم، لأنَّ العَتَب على النَّظَر.

الأمم والشُّعُوب، والثَّقافات واللُّغات، والسلطة والحُكْم، والفِكْر والإبداع، كلُّها لا تكون، ولا تحدُثُ بما يُفِيد البناء والإضافة، بل والقيمة، ما لم تكن هناك صيرورة، خارج ما نُسَلِّم به، نَظُنُّه الحقيقة، وهو باطِلٌ في الرأي والرؤية. والتقدُّم، ليس بقاءً في الوراء، إنَّه الأمام، إنَّه المستقبل، والعالم اليوم يعيش على إيقاع انقلاباتٍ كبيرة ومُتَسَارِعَة، من بَقِيَ خارجها، ينام في ظلمة كُهُوفها القديمة، فسيكون كأنَّه حَيٌّ في قَبْرٍ، لا تَلْمَسُه الشمس، ولا النُّور أو الهواء، وهذا آفَةُ من لا يكون النقد عندهُم فضيلةً، ولا يكون الرأي عندهُم اختلافاً، وأنَّ ما يكتبونه ويقولونه، هو واحِد من أقوال وكتاباتٍ شتَّى، هِيَ الطبيعَة في ازدهارها، وفي تنوُّعها واختلافها، لا الطبيعة المَيِّتَةُ، أو الصَّامِتَة، كما انتشرت في القرنيين السادس والسابع عشر، وكما نَجِدُها في رسُومات فلاندرز في هولاندا، في ذلك الماضي الذي كانت فيه غير ما نراها به اليوم.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 14 ساعة
هسبريس منذ 7 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 7 ساعات
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 8 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 10 ساعات
هسبريس منذ ساعتين