هل تحول النظام الجزائري إلى "ضرس خبيث" بشمال إفريقيا؟

ربما نحتاج إعادة قراءة لكتاب "السلطان الخطير" الصادر سنة 2007 للباحثين الكبيرين الأمريكي نعوم تشومسكي واللبناني جلبير الأشقر، حين تحليلهما لنظام حافظ الأسد بسورية لنفهم أيضا بنية صناعة القرار وتقنيات تصريف المواقف في النظام الجزائري. حيث نجد جملة قفل في تلك المحاورة بين الباحثين تصف نظام الأسد بأنه "ضِرْسٌ خبيث" يستوجب صبر تَعَبِ المعالجة بسبب صعوبة القلع جراحيا..

إن ما تعيشه قضية وحدتنا الترابية بالمغرب من تطورات متسارعة هذه الأشهر، منذ انتقال مستوى التطوير فيها دوليا إلى مستوى "ملف ذي أولوية" يستوجب الحل عند القوى الكبرى عالميا، ضمن حسابات جيو سياسية مرتبطة بالمجال المتوسطي والإفريقي أمريكيا وأروبيا. الأمر الذي دفع النظام الجزائري إلى أن ينزلق صوب الزاوية الضيقة ضمن خياره السياسي منذ 1962 الطامح لأن يكون قوة إقليمية بمنطق حسابات القرن 20 الهيمنية المتجاوزة..

بالتالي تسارعت التطورات مؤسساتيا ضمن هيئة الأمم المتحدة (مجلس الأمن) بما يتوافق وإيجاد حل سياسي سلمي نهائي، تأسيسا بشكل حصري على مقترح "الحكم الذاتي" المقدم من قبل المغرب. وهو التوجه الذي اتسعت دائرة تعزيز تبنيه عالميا منذ صدور القرار الأممي 2797 من خلال تطوير مواقف الدول الوازنة بمختلف القارات (آخرها كمثال الإمبراطورية اليابانية).

فكان أن عملت المؤسسة التدبيرية الإستراتيجية لصناعة القرار بالجزائر (المخابرات العسكرية) على محاولة امتصاص هذا التحول غير المسبوق، عبر اعتماد خبث تدبيري مجرب للنظام السياسي بها (ك "ضرس خبيث") يتأسس على آليتين مركزيتين:

- فتح باب حوار سياسي مع رأس الحربة في الإستراتيجية العالمية الجديدة (واشنطن) حول ملف وحدتنا الترابية بما يحقق تعديلا في سلم ما تعتبره "مصالحها القومية العليا". مما أعطى الإنطباع في الصورة الخارجية أنها لا تريد أن تكون في خصومة أو صدام مع حسابات تلك القوة العالمية الوازنة. مع ما يستتبع ذلك من ربح سياسي وتجاري وأمني (فتح الباب لاتفاقيات صناعية طاقية جديدة ولأشكال تطوير التعاون العسكري بذات الشكل الذي كانت قد حققته مع إدارة الرئيس جيمي كارتر ومبعوث واشنطن بهيئة الأمم المتحدة غير المأسوف عليه أندري يونغ ما بين 1977 و1980. حتى والزمن غير الزمن وحقائق الميدان اليوم ليست في صالح حساباتها القديمة).

- ثم القيام بالتوازي بتنفيذ آلية تشويش ميدانية بالوكالة من خلال حركات انفصالية متطرفة ومسلحة بالساحل والصحراء، دون أن تظهر هي في الصورة (الأزواد والقاعدة بمالي والبوليزاريو بتندوف).

إن الإستراتيجية الجديدة للنظام الجزائري عبر أذرع متعددة (ضمنها شبكة هائلة للذباب الإلكتروني ولأطراف إعلامية خليجية وأروبية وإفريقية)، هي السعي لترسيخ "خطاب سياسي مُتَحَوِّرْ" غايته عبثا منح توجه محدد للقرار الأممي 2797 (تقرير المصير وليس إلزامية مركزية المقترح المغربي للحكم الذاتي في أية عملية للحل السياسي السلمي). بالتكامل والتوازي مع توظيف أداة البوليزاريو عبر برنامج واسع للتحرك جمعويا ومؤسساتيا بعدد من العواصم الأروبية والإفريقية والأمريكو لاتينية خلال الشهور الموالية لصدور القرار الأممي، بكل ما يستوجبه ذلك من كلفة مالية ثقيلة بالدولار مقتطعة من ميزانية المواطن الجزائري القومية. ثم توجيهها صوب التصعيد العسكري (إطلاق صواريخ إيرانية المصدر على مدينة السمارة) بغاية ترسيخ تواصليا فكرة أن الأراضي المغربية الصحراوية ما وراء الجدار التي جعل منها المغرب "منطقة حرام" (منطقة عازلة) بالمنطق الدولي الغاية منه تسهيل مهمة "المينورسو" لمراقبة وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991 (No Man's Land)، هي "أراض محررة". إلى درجة أن صحيفة فرنسية مناوئة للمغرب من حجم يومية "لوموند" تروج لذات الفكرة المفبركة منذ مدة.

من هنا مقترحها المقدم إلى مستشار الرئيس الأمريكي ترامب المكلف بالشرق الأوسط وإفريقيا مسعود بولس بقبول تفكيك مخيمات المحتجزين بتيندوف بشرط نقلهم إلى ما تريد إقناع العالمين عبثا أنها "مناطق محررة". المقترح الذي رفضته واشنطن لإدراكها أن الرباط لن تقبل به أبدا، وأنه سيقوض العملية السلمية كلها.

كانت الخطوة الموالية بالتالي لذلك المقترح هي إعطاء الضوء الأخضر لعناصر من البوليزاريو بإطلاق صواريخ قصيرة المدى على مدينة السمارة من جهة معلومة من خارج الأراضي المغربية الصحراوية شرق الجدار الرملي.

وهي الخطوة التي كان منتظرا أن ترد عليها الرباط بصرامة مثلما فعلت في "لعب الدراري" الذي كان بمعبر الكركرات، كي تبني عليها الجزائر خطة هجومية سياسية وإعلامية بادعاء المظلومية وعدم احترام الآلية السياسية التي تقودها واشنطن وترعاها الأمم المتحدة بتكليف من مجلس الأمن. لكن الذي حدث هو شيء أكبر لم تحسب حسابه "جْماعة الجزائرية"، المتمثل في الإنتصار السياسي مجددا لعدالة القضية المغربية دوليا بشكل غير مسبوق منذ افتعال مشكل الصحراء من قبلها سنة 1975، الذي نجد ترجمته في السيل الكبير لمواقف دول وازنة أعلنت تضامنها مع المغرب ونددت بعملية إطلاق الصواريخ الثلاث على مدينة السمارة. في مقدمة تلك الدول واشنطن وعدد مهم من الدول الأروبية والآسيوية والإفريقية.

هذا نصر سياسي للمغرب غير مسبوق، لأنه ضاعف من عزلة جبهة البوليزاريو دوليا وفتح الباب عمليا لأفق تصنيفها ضمن خانة "الجماعة الإرهابية" سياسيا. الأمر الذي ستكون له كلفة غالية جدا على النظام الجزائري بتهمة "دولة راعية للإرهاب"، يتكامل مع أصابع الإتهام غير المباشرة الموجهة إليها في المحاولة الإنقلابية العنيفة الفاشلة بدولة مالي.

إن أفق تغيير مهمة بعثة المينورسو الأممية لوضع نقطة النهاية لها (مناقشات دورة أبريل النصف سنوية بمجلس الأمن حول الصحراء)، يمنح المغرب فعليا كامل الحق القانوني لممارسة دوره السيادي في حماية أراضيه الصحراوية شرق الجدار منعا لتحويلها إلى بؤرة للإرهاب قادم من منطقة الساحل وكذا لمنع تنفيذ المخطط الجزائري للتخلص من مخيمات تيندوف (ورطتها التاريخية) ونقل المحتجزين إلى تلك المنطقة العازلة. وهذا نصر سياسي وقانوني جديد لصالح حقوقنا المغربية السيادية.

إن الصواريخ الثلاث الموجهة ضد المدنيين بالسمارة قصفت في الواقع في مقتل المخطط الجزائري المزدوج الأدوار بخبث.

لقد كانت نتيجة ذلك كله هي دفع بسرعة قيادة البوليزاريو (ضمن الخطة الجزائرية) إلى مراسلة الأمين العام للأمم المتحدة في ما يشبه تقديم "أطروحة هروب إلى الأمام" تصعيدية غايتها التأزيم السياسي على أمل تعطيل الآلية الآخذة طريقها أمميا برعاية أمريكية حاسمة لمشكل الصحراء استنادا بشكل حصري ووحيد على مقترح الحكم الذاتي المغربي. وهي رسالة تؤذن في مالطا (كما يقال)، لأنها خارج الزمن السياسي الأممي المنطلق بصلابة لوضع نقطة النهاية للنزاع المفتعل.

إن ما يمنح للرباط الشرعية القانونية والسياسية لحماية كامل أراضيها الصحراوية شرق الجدار (المحكومة تدبيريا باتفاق أممي لوقف إطلاق النار كمجرد منطقة عازلة)، هو موقف الحكومات الدولية الوازنة والمؤثرة والنوعية المندد بإطلاق تلك الصواريخ الثلاثة على السمارة. فالرسالة السياسية دوليا هنا واضحة، مفروض أنها قد وصلت كاملة إلى "جماعة الجزائرية".

كل المؤشرات تذهب في اتجاه أن المغرب (في هذه المرحلة الدقيقة والصعبة لإنهاء مشكل الصحراء تأسيسا على شرعية القانون الدولي الأممي) يرى إلى التطورات من زاوية نظر شمولية استراتيجية واسعة. أي أنه لن ينجر إلى "خبث" استراتيجية النظام الجزائري. مما منحه أن يحقق مكاسب سياسية غير مسبوقة مجددا خلال الأسبوعين الماضيين داخل مجلس الأمن وضمن منطق العلاقات الدولية التي عواصم كبرى غيرت من مواقفها السابقة بوضوح، بما يعزز من عدالة الأطروحة المغربية النضالية شعبيا ورسميا لتحرير أراضيه. ووضع لأول مرة بشكل سافر خصومه ضمن خانة "الخروج عن القانون الدولي ودعم الإرهاب".

مؤسف أن "جماعة الجزائرية" تجتهد فقط في منطق التأزيم مغاربيا وشمال إفريقيا، وأنها توظف ذكاءها فقط في تنفيذ استراتيجيات خبيثة تسقطها في ورطات متلاحقة تضيق عليها أكثر مداخل "حفظ ماء الوجه" وآفاق منطق "رابح رابح". مما يضاعف من أزماتها الداخلية ويعطل ممكنات شعوب منطقتنا التكاملية اقتصاديا وأمنيا كتكتل جهوي من ضمن تكتلات أخرى قائمة بقارتنا الإفريقية.

يُخشى أن الصورة التي أصبحت أكثر وضوحا عند المنتظم الدولي هي أن النظام الجزائري مثله مثل النظام السوري غير المأسوف عليه "ضرس خبيث" آخر بمنطقتنا الشمال إفريقية.

إن إرادة الشعوب دوما منتصرة في نهاية المطاف، ضمنها إرادة الشعب المغربي النضالية التحررية لاستعادة كل أراضيه المحتلة من قبل المركب الإستعماري الذي تقاسم أراضيه الوطنية.

ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين..


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
موقع بالواضح منذ ساعتين
هسبريس منذ 3 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 3 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 4 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
جريدة أكادير24 منذ 16 ساعة
هسبريس منذ 7 ساعات