في ضوء تزايد مستويات ترابط شبكات الطاقة والسلع، لا تركز التحولات في إدارة المخاطر على توقع حدوث الاضطرابات المستقبلية، وإنما تتجه نحو استخدام الأدوات الجديدة لمحاكاة إجهاد الأنظمة والكشف عن نقاط الضعف الخفية.
تشهد أسواق الطاقة والسلع انتشار فكرة مثيرة للاهتمام مفادها أنه في حال وجود تقنيات الذكاء الاصطناعي الكافية والبيانات المناسبة والقوة الحاسوبية اللازمة، ستتمكن الشركات من التنبؤ بالاضطرابات قبل حدوثها.
ولكنّ هذه الآمال تبدو بعيدة المنال؛ لأن أسواق الطاقة والسلع تتأثر إلى حدٍ كبير بعوامل الطقس والحروب وضعف البنية التحتية والتدخلات السياسية. لذلك قلّما يمكن التنبؤ بدقة بحدوث الصدمة التالية. وتعتمد سلاسل التوريد في هذه القطاعات على أصول ملموسة وفق مستويات متعددة وشبكات مترابطة تتسم غالباً بالغموض.. فمثلاً عند حدوث عطل في مصفاة، أو فرض قيود على الصادرات، أو تعطل في خطوط النقل، لا يقتصر الأثر على نطاق ضيق، بل يمتد ليشمل المخزونات وآليات التسعير وتوفر الطاقة والطلب النهائي.
وتتخطى الفكرة الجوهرية قوة الاستشراف لتتمحور حول مدى الجاهزية، التي تتمثل في المقدرة على اختبار كيفية انتشار الاضطرابات وتحديد نقاط الضعف الخفية قبل حدوث الفشل.
وتسهم الاضطرابات الحالية المتعلقة بمضيق هرمز في توضيح هذه الفكرة بشكلٍ أفضل من نظريات الإدارة، حيث يمثل المضيق نقطة عبور أساسية للطاقة، ففي عام 2023 مر عبر المضيق نحو 20.9 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل أكثر من 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، بالإضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
لكنّ الأمر لا يقتصر على الطاقة فحسب، حيث يمكن أن تؤدي الاضطرابات هناك إلى الحد من إمدادات الكبريت وغيرها من المواد الصناعية الأخرى، مما يؤثر سلباً على سلاسل توريد الأسمدة وأشباه الموصلات. كما يندر اقتصار المخاطر المنهجية الحديثة على سوق واحدة، بل يمتد تأثيرها ليشمل قطاعات ومناطق جغرافية ونطاقات زمنية مختلفة.
وتبرز اليوم اثنتان من الإمكانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي واللتان تفوق أهميتهما القدرة على التنبؤ، وهما المحاكاة والاكتشاف.
ومن الممكن ألا تكشف المحاكاة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمديرين التنفيذيين القطاعات التي قد تتعرض للاضطرابات في المستقبل القريب، ولكنّها قادرة على كشف الطريقة التي قد ينتقل بها التوتر في حال حدوث خلل معين. وفي أسواق الطاقة والسلع، لا تقتصر الاضطرابات على مورّد واحد أو أصل معين أو مسار محدد، بل تمتد لتشمل أنظمة النقل والمخزونات واللوائح التنظيمية وخيارات الاستبدال وطلب العملاء.
ويمكن للمحاكاة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مساعدة الشركات على إجراء اختبارات الإجهاد على تلك التفاعلات بسرعة وبنطاق أوسع من تخطيط السيناريوهات التقليدية. كما يمكنها الكشف عن المواضع التي تكون فيها خطط الطوارئ منسقة للغاية، والحالات التي تنهار فيها افتراضات الاستبدال عند التطبيق العملي، والظروف التي يمكن أن يتحول فيها انقطاع بسيط في أحد جنبات النظام إلى مشكلة تجارية أوسع نطاقاً في مكان آخر.
وتبرز أهميتها القيّمة عند استخدامها بشكلٍ جيد، ولكن في حال الاستخدام الخاطئ فإنها تتحول إلى مصدر آخر للثقة الزائفة.
ولا يكمن الخطر في قلة النماذج التي تبنيها الشركات، بل في مبالغتها في الثقة بالنماذج المثالية، لا سيما أن الأنظمة المادية بطبيعتها غير منضبطة، والأصول لا تتعطل بوتيرة منتظمة أو متوقعة. كما أن قيود الشبكة لا تختفي لمجرد أن لوحات التحكم الرقمية تفترض وجود مرونة. ويمكن للسلطات السياسية أن تعطل المنطق التجاري بين ليلة وضحاها. وما يبدو قابلاً للاستبدال في جداول البيانات غالباً ما يثبت استحالة تنفيذه على أرض الواقع. كذلك يتمتع الذكاء الاصطناعي بإمكانية إجراء عمليات محاكاة أكثر سرعة واتساعاً، ولكن لا تزال الشركات بحاجة إلى خبراء من أجل ضمان بناء هذه النماذج وفق فرضيات واقعية.
وتتمثل الإمكانية الثانية البارزة في الاكتشاف، وهي القدرة على رصد نقاط الضعف قبل حدوث الاضطرابات.
ولا تزال هذه المسألة تمثل مشكلة هيكلية في سلاسل توريد الطاقة والسلع على حدٍ سواء، حيث تتلاشى الرؤية تماماً في المواضع التي يصبح فيها تقييم المخاطر هو المهمة الأصعب.
وفي إطار شبكات السلع، تحدث الضبابية بسبب تشتت مصادر التوريد، وعلاقات التداول القائمة على الوساطة، والخدمات اللوجستية الخارجية. أما في أنظمة الطاقة، تنشأ هذه الضبابية من البنية التحتية المتداخلة وقيود الشبكة والتشتت التنظيمي والفجوة بين محطات التوليد ومواقع الاستخدام النهائي.
وعلى الرغم من اختلاف الهيكلية، تبقى نقاط الضعف ذاتها، حيث تكمن الثغرة الأكثر خطورة بعيداً عن نطاق الرؤية الروتينية لأي شركة بمفردها.
ويمثل مضيق هرمز مثالاً واضحاً حول هذه الأمر، حيث لا تقتصر نقطة الضعف على المسار الواضح لناقلات النفط والذي يخضع لمراقبة الجميع، بل تكمن في التبعية الخفية وراء ذلك، مثل شركات المعالجة التي تعتمد على المواد الخام من الخليج العربي، ومنتجي الأسمدة الذين يعتمدون على تدفقات الكبريت، وسلسلة توريد الرقائق التي تعتمد على المواد الكيماوية والهيليوم. وفي مثل هذه الأزمات، غالباً ما تكتشف الشركات بعد فوات الأوان أن نقطة الضعف الحقيقية لم تكن في المكان الذي توقعوه.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحسين الاكتشاف والرصد بطريقة تمنعه من تعزيز التنبؤ بشكلٍ موثوق، حيث يمكنه الربط بين مجموعات البيانات المجزأة، وإبراز محاور التركيز ورصد التجاوزات والكشف عن التبعيات التي لم تكن الشركات تدرك وجودها. 4
وينطوي ذلك على تبعات غير مألوفة في ما يتعلق بآلية تخصيص رأس المال. وفي القطاعات كثيفة الأصول، تحافظ مجالس الإدارة على نطاق مريح في ما يخص تمويل الأصول الملموسة مثل خطوط النقل ومنشآت التخزين وخطوط الأنابيب وسعات الشحن. ورغم أهمية كل ما سبق، تعتمد المرونة بشكلٍ متزايد على استثمارات أقل مادية تشمل تكامل البيانات والذكاء التشغيلي وأدوات المحاكاة، بالإضافة إلى الأشخاص القادرين على مراجعة مخرجات النماذج قبل أن تحولها إلى ثقة زائفة.
ولا يمكن إدارة الأنظمة المادية بذكاء من خلال الاستثمارات المادية وحدها، حيث يتركز جزء من أهم أوجه الإنفاق على تعزيز المرونة حالياً في الطبقة الناعمة للأعمال، والتي تشمل القدرات التحليلية والتنظيمية وقدرات اتخاذ القرار التي تتيح للشركات فهم طبيعة أداء أصولها المادية في ظل الضغوطات.
وفي إطار الجدل المحيط بتحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي، ستكون الشركات الأكثر نجاحاً هي تلك التي تتمكن من توظيف الأدوات الجديدة في المجالات التي تبرع فيها، مثل محاكاة كيفية انتشار الصدمات، واكتشاف نقاط الضعف قبل أن تُحدث مشكلة حقيقية.
وتبقى المخاطر القديمة حاضرة، ولكنّ ما تغير هو السرعة والتعقيد والترابط الذي تنتقل به هذه المخاطر.. أما المجموعات التي تتظاهر بأن حالة عدم اليقين يمكن التنبؤ بها، فلن تطولها أي فوائد أو مكاسب، بل ستكون من نصيب الذين يستعدون لعدم اليقين بشكلٍ أفضل.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
