يمكن للإنسان الذي تحركه الطاقة الذاتية اعتمادا على الحركة الطاقية الدائرية باعتبار مكونات الكون كلها في ذاتها تشكل الدائرية، ويمكن ذلك أن محور الكون دائري انطلاقا من الذرات والبروتونات حسب الفيزيائيين هي دائرية والزمان دائري يدور ويرجع إلى نقطة الانطلاق .
الحركة مصدر الحياة والطاقة الذاتية.
في الفلسفة، الحركة الطاقية تعني أن التغير لا يحدث فقط في الأعراض (مثل اللون أو الحجم)، بل في ذات الشيء وجوهره. عندما نقول إن الإنسان تحركه طاقة ذاتية نابعة من حركة جوهرية دائرية، فنحن نفترض أن الإنسان في حالة تجدد مستمر لا ينفصل عن حركية الكون.
المقصود بالدائرية هنا: لا تعني التكرار الممل، بل تعني الكمال والعودة إلى الأصل (المبدأ والمعاد).
النموذج الدائري من الذرة إلى المجرة.
دائرية والمكونات الوجودية يجد له صدى واسعاً في العلم والمنطق الطبيعي،إذ نجد تعتمد ميكانيكا الكم والنماذج الذرية (رغم تعقيدها الحديث) على فكرة المدارات و اللف المغزلي الحلزوني . الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات ،تتحرك وفق أنماط دورية أو اهتزازية تشبه الدوران.
على المستوى الكوني الكواكب تدور حول النجوم، والنجوم حول مراكز المجرات. حتى محور الكون في بعض النظريات الكونية كفضاء منحنٍ أو مغلق بحيث لو انطلقت في خط مستقيم تماماً، قد تعود لنقطة البداية. ولا أدل على ذلك الزمان والعود الأبدي ،باعتبار أن الزمان يدور ويرجع إلى نقطة الانطلاق هو مفهوم يُعرف في الفلسفة بـ العود الأبدي وهو في حد ذاته دائري، وقول الله تعالى في كتابه العزيز يشير إلى أن مكونات الخلق دائري من البداية إلى العود الأبدي منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى
الآية هي من سورة طه (الآية 55)، ويقول فيها الله سبحانه وتعالى:
{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ}
هذه الآية تلخص الدورة البيولوجية و الوجودية للإنسان في ثلاثة أطوار دائرية تبدأ من الأرض وتنتهي إليها لتنطلق منها مجدداً:
{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ}: البداية من الأرض (الطين/التراب) حيث خُلق آدم عليه السلام، ومن الأرض تخرج المواد الغذائية التي تتكون منها نطفة الإنسان.
{وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ}: بعد الموت، نعود إلى نفس الأرض ونُقبر فيها، وتتحلل أجسادنا وتعود عناصر ترابية كما كانت.
{وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ}: عند البعث والنشور، تنبت الأجساد من الأرض مجدداً (كما ينبت النبات) للخروج للحساب.
الربط الدائري: الدورة هنا مغلقة تماماً: [ أرض \ حياة \ أرض \ بعث ]. البدء يعود عوداً على بدء.
وقد أكد علماء الفيزيائيين، ان هناك فرضيات مثل الكون المتذبذب ،التي تفترض أن الكون يتمدد ثم ينكمش (الانسحاق الشديد) ليعود ويبدأ من جديد.
وقوله تعالى وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون وقوله خلق السماوات بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى إن الملاحظة الاساسية وهي ان كل شيئ في الوجود حركة دائري ذاتية من الخالق الكون ،حتى ما كان يدرس في الجامعات الغربية الكبرى قبل خمسينة سنة الماضية ،على ان الشمس ثابت ومستقرة تغيرت هذه النظرية واعتبروا أن الشمس هي أيضا تدور.
و في الوعي البشري إذا كان الزمان دائرياً، فإن الطاقة الذاتية للإنسان تصبح قوة متناغمة مع تدفق الزمن، وليست مقاومة له.
ولكن السؤال المطروح هو هل يمكن للإنسان اعتماد هذه الطاقة؟
من الناحية الميتافيزيقية والروحية نعم، يعتقد الكثير من الفلاسفة والعرفانيين أن استمداد الإنسان لطاقته من المركز المحور الدائري للوجود يمنحه توازناً مطلقاً.
وذلك عندما يدرك الإنسان أن حركته الداخلية تحاكي حركة الأفلاك والذرات، يتخلص من التشتت، و يدخل ذاته في مبدا
الاستمرارية المبنية على الحركة الدائرية ،وهي الوحيدة التي يمكن أن تستمر إلى الأبد نظرياً لأنها بلا نهاية خطية، مما يعزز فكرة الطاقة الذاتية المستدامة. لأن السؤال المحير هو ليس بدأ الكون وإنما لماذا لا تتوقف هذه الحركة الدائرية؟ إن عدم الحركة هو السكون والموت النهاية الابدية.
كما يقال حتى الإنسان كون أصغر ينطوي فيه الكون الأكبر. فإذا كانت الذرة دائرية والكون دائرياً، فإن الروح أو الطاقة الذاتية التي تحرك الإنسان تجد كمالها في اتباع هذا النمط الدائري الذي يربط البداية بالنهاية، ويجعل من كل نقطة رحيل نقطة وصول جديدة فيها الاستمرارية .
هل يا ترى أن هذا التصور الدائري يغير من مفهومنا للغاية أو الهدف في الحياة، بما أنها لم تعد خطاً مستقيماً ينتهي عند نقطة معينة؟
إن نظرية الدائرية في حياة الإنسان والكون بصفة عامة ،لا تعني اللاعودة بل تدعم فكرة العودة الى الحياة ،لكن الاشكال هو ان العودة، هل تستنسخ الحياة الاولى ام تنسخها وتلغيها وتظهر بتمثلات جديدة وطاقة متجددة من ذات مختلفة ام متابقطة لها .
إن هذا التساؤل يلمس جوهر الصراع الفلسفي بين مفهوم لتكرار ومفهوم التجديد. إذا سلمنا بأن الوجود دائري، فإن طبيعة العودة تظل هي العقدة: هل نحن أمام شريط فيديو يعاد عرضه (تطابق)، أم أمام حلزون صاعد (تطور)؟
تعد فرضية التطابق التام (نسخ الحياة الأولى)
بما أن مكونات الكون (الذرات، الزمان، الحركة) محدودة، وبما أن الزمان دائري، فإن المادة تترتب حتماً بنفس الطريقة التي كانت عليها في المرات السابقة.
العودة هنا هي استنساخ كربوني. طاقتك الذاتية في هذه الحالة هي طاقة محبوسة في حلقة مفرغة، حيث لا تملك الذات إلا أن تكرر اختياراتها ومسارها دون زيادة أو نقصان.
وهناك فرضية النسخ والإلغاء (التمثلات الجديدة)
هذا التصور يتوافق أكثر مع الحركة الطاقية الجوهرية الدائرية التي ذكرناها سابقاً، حيث الحركة ليست دورانًا في مكان واحد، بل هي حركة تكاملية.
الحركة الطاقية الدائرية والجوهرية تفترض أن الذات في كل دورة تكتسب صقلاً جديداً. الطاقة الذاتية هنا لا تعود إلى الصفر، بل تعود وهي محملة بـ أثر التجربة السابقة.
مفهوم العودة المقصود هنا لا تعني تكرار الشخصية القديمة، بل ظهور تمثل جديد من ذات متجددة. هي تنسخ (بمعنى تلغي وتستبدل) النسخة الأضعف لتظهر نسخة أرقى طاقةً وأكثر وعياً.
وهناك من يرى الحركة الحلزونية الحل الوسط
بدلاً من الدائرة المغلقة المسطحة، يميل الكثير من الفلاسفة إلى اعتبار أن حركة الكون حلزونية .
إذ في الحركة الحلزونية، أنت تعود بالفعل إلى نفس النقطة عمودياً فوق نقطة البداية لكن في مستوى مختلف أعلى أو أرقى.
الذات المختلفة أم المتطابقة هي متطابقة في الجوهر (الهوية الأساسية)، لكنها مختلفة في التمثل (الطاقة، الوعي، والقدرة). إشكالية الطاقة الذاتية في العودة، إذا كانت الطاقة الذاتية هي المحرك، فإن العودة محكومة بجودة هذه الطاقة:
إذا كانت الطاقة ساكنة، كانت استنساخاً وتكراراً.
إذا كانت الطاقة ديناميكية (ناتجة عن حركة دائرية جوهرية)، فإن العودة تكون ولادة جديدة تمثلات لا تشبه الأولى إلا في كونها تنتمي لنفس المصدر الكوني.
الأرجح في المنطق الذي طرحناه هو أن العودة تنسخ الحياة الأولى وتلغيها لتقديم نسخة مصححة أو متطورة. فالكون لا يحب الفراغ ولا يحب التكرار المجاني؛ حتى في الذرات، لا يوجد إلكترون في نفس الحالة الكمومية لإلكترون آخر تماماً. العودة هي فرصة للذات لتتجلى بطاقة متجددة، مستفيدة من الدائرية ليس كقيد، بل كوقود للاستمرار.
ومن ثم يمكن اعتبار أن الذاكرة سواء كانت ذاكرة عقلية أو ذاكرة طاقية/ذرية تلعب دوراً في منع العودة من أن تكون مجرد تكرار أعمى،هذا يجعلنا ننقل النقاش من حيز الميتافيزيقا الساكنة إلى ديناميكية الوعي واللغة. الذاكرة كـ وعاء لا كـ قيد
في اعتباري أن الذاكرة لا تمنع العودة ولا تفرض التكرار، نكون بذلك قد نتحرر من فكرة الحتمية . الذاكرة هنا ليست شريطاً مسجلاً، بل هي المادة الخام التي يعاد تدويرها.
على مستوى الشكل: يحدث التجدد (تغيير المصطلحات واللغة).
على مستوى الموضوع: تظل المواد هي نفسها (التاريخ، الذرات، العناصر الأساسية).
هذا يعني أننا نطبق نفس المكونات الكونية لكن بوصفات لغوية وعقلية ومفاهيم مختلفة تماماً في كل دورة.
ويترتب عن ذلك تحول الطاقة من المادي إلى المفاهيمي
هذه فكرة ثورية في فهم الدائرية ؛ فبدلاً من أن نعود لنبني نفس الأهرامات أو المدن، تتحول الطاقة المادية بمرور الزمن (والدورات الزمكانية ) إلى طاقة معرفية.
نفي النفي او الجدل التاريخي لا يغير الماضي، بل تغير مفهومنا عن الماضي فحسب وكل شيء هو هو .
وهذا التحول يجعل العودة تبدو وكأنها شيء جديد كلياً، لأن اللغة التي تصف الواقع قد تطورت، وما لا يمكن وصفه باللغة القديمة يصبح موجوداً بفضل اللغة الجديدة. نحو البحث عن المجهول.
التطور المجهول و السيرورة نحو اللامكان.
في نظري ان الذاكرة كانت عقلية أو طاقية ،لا تلعب أي دور في منع العودة في نفس الوقت لا تكون مجرد تكرار أعمى وإنما الذي يحدث هو التطور في المفاهيم وفي اللغة ،تغير المصطلحات تفتح المجال في اعتبار أن الذاكرة على مستوى الشكل تجدد ولكن على مستوى الموضوع المحمول بنفس المواد التي كانت في السابق أكانت مادة تاريخية تبقى رهينة الجدل الذي يغير المفاهيم ،عبر الأجيال وطاقة تتحول الى طاقة مفاهيم أكثر من تكون مادية وبالتالي فإن علاقة الدائرية والحلزونية تعني السيرورة نحو التطور إن صح التعبير الى التطور المجهول ،يسوق الى عالم مجهول غير ثابت من خلال حركة الطاقة العقلية والمادية.
بوصفنا لهذا التطور بأنه مجهول ويسوق إلى عالم غير ثابت ، فإننا في نظري أن هذا يكسر الدائرة المغلقة وتحولها إلى **مسار مفتوح**.
الدائرية: تعني أنها تضمن استمرارية الوجود وعدم اندثاره (البقاء في نفس المواد).
الحلزونية: تعني تضمن عدم الركود (السيرورة نحو المجهول).
هذا المجهول هو الذي يمنح الطاقة العقلية دافعها؛ فلو كان المستقبل معلوماً أو مكرراً بالكامل، لتوقفت الطاقة الذاتية عن الحركة. والعقل يحتاج إلى هذا الأفق غير الثابت ليواصل إنتاج المفاهيم عبر الزمان .
الإنسان في هذه المنظومة ليس نسخة بل هو تأويل جديد لنفس المادة الكونية. نحن نعيش في دائرة من حيث الجوهر المادي، لكننا في انفجار مفاهيمي من حيث الوعي. الطاقة العقلية هنا هي المحرّك الذي يحول التكرار الممل إلى إبداع مستمر، والمادة التاريخية بدلاً من أن تكون عبئاً، تصبح مختبراً للجدل وتوليد المعاني.
سؤالي لك هنا إذا كان التطور يتجه نحو مجهول غير ثابت ، هل تعتقد أن هذا المجهول هو غاية في حد ذاته، أم أنه مجرد نتيجة حتمية للاحتكاك الطاقة العقلية بالمادة؟
يتبع الجزء الثاني.
هذا المحتوى مقدم من موقع بالواضح
