في وقت اعتادت فيه الشركات أن تشتري برامج جاهزة باشتراكات شهرية وتُكيّف أعمالها معها، خرجت Palantir بتصريح صادم: SaaS مات . العبارة تبدو قاسية ومبالغاً فيها، لكنها تختصر تحوّلاً أعمق داخل سوق برمجيات الشركات؛ فمع صعود الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال فقط: أي برنامج نشتري؟ بل: هل يمكن بناء نظام ذكي يتشكل حول طريقة عمل الشركة نفسها؟
القصة لا تعني أن كل خدمات البرمجيات السحابية ستختفي غداً، لكنها تكشف أن النموذج التقليدي القائم على أدوات جامدة ومقاعد مستخدمين وتسعير موحد يواجه ضغطاً غير مسبوق. وفي قلب هذا النقاش، تحاول Palantir تقديم نفسها كمنصة قادرة على تحويل الذكاء الاصطناعي من عرض تجريبي جميل إلى نظام تشغيل فعلي داخل المؤسسات.
وفق تقرير نشره Forbes، جاء تصريح SaaS is dead على لسان Danny Lukus، وهو Deployment Strategist في Palantir، أثناء الحديث عن مقاربة الشركة في سوق برمجيات سلاسل الإمداد. المقصود هنا ليس إعلان وفاة الإنترنت أو البرامج السحابية، بل انتقاد النموذج الذي يبيع للشركات حلولاً جاهزة لا تتطابق دائماً مع تعقيد عملياتها اليومية.
ترى Palantir أن الشركات الكبرى، خصوصاً في مجالات مثل التصنيع، الدفاع، الطاقة، الصحة وسلاسل التوريد، لا تحتاج فقط إلى تطبيقات منفصلة، بل إلى طبقة موحدة تفهم البيانات والعمليات والقرارات، ثم تسمح للذكاء الاصطناعي بالعمل داخل هذا السياق بطريقة قابلة للتحكم.
أهمية التصريح تأتي من توقيته. Palantir أعلنت نتائج قوية للربع الأول من 2026، حيث قالت إن إيراداتها ارتفعت 85% على أساس سنوي إلى 1.63 مليار دولار، بينما نمت إيراداتها في الولايات المتحدة 104%. هذه الأرقام منحت الشركة ثقة إضافية لتقديم نموذجها كبديل عن برمجيات الشركات التقليدية.
كما رفعت Palantir توقعاتها السنوية، مدفوعة بالطلب على منصة الذكاء الاصطناعي AIP، وهي منصة تسعى إلى ربط نماذج AI ببيانات الشركات وسير العمل الداخلي، بدل ترك المستخدم أمام أدوات عامة أو روبوتات دردشة منفصلة عن الواقع التشغيلي.
رغم قوة العنوان، من الأدق القول إن SaaS لا يموت بقدر ما يُعاد تشكيله. فالشركات ما تزال تعتمد على خدمات سحابية لإدارة المبيعات، الموارد البشرية، المحاسبة، الأمن السيبراني والتعاون الداخلي. لكن الضغط الجديد يأتي من قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد البرمجيات، أتمتة المهام، وربط أنظمة متعددة بسرعة أكبر مما كان ممكناً سابقاً.
هذا يعني أن القيمة لم تعد في واجهة برنامج جميلة فقط، بل في فهم العمليات العميقة، امتلاك بيانات موثوقة، تقديم نتائج قابلة للقياس، وضمان حوكمة الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة. لذلك قد تتأثر الشركات التي تبيع أدوات سطحية أو متشابهة، بينما قد تستفيد الشركات التي تملك بيانات قوية وتكاملات عميقة مع أعمال عملائها.
واحدة من النقاط التي تجعل Palantir مثيرة للجدل أنها لا تشبه دائماً شركات SaaS التقليدية. فهي تعتمد تاريخياً على مهندسين يعملون قرب العملاء، يُعرفون باسم Forward-Deployed Engineers، لفهم مشاكل المؤسسة وبناء حلول مخصصة فوق منصاتها مثل Foundry وAIP.
هذا النموذج يمنح Palantir قدرة على معالجة ملفات معقدة، لكنه يطرح أيضاً سؤالاً مهماً: هل هي شركة برمجيات قابلة للتوسع بنفس هوامش SaaS، أم شركة تجمع بين البرمجيات والاستشارات عالية الكلفة؟ المدافعون عنها يرون أن AIP وBootcamps قلصت مدة الانتشار ورفعت قابلية التوسع، بينما يرى المنتقدون أن النموذج ما يزال يعتمد كثيراً على العمل الميداني العميق.
في سلاسل الإمداد تحديداً، تحتاج الشركات إلى قرارات سريعة حول المخزون، النقل، المصانع، الطلب، الموردين والمخاطر الجيوسياسية. البرامج الجاهزة قد تقدم لوحات قيادة وتقارير، لكنها لا تفهم دائماً كل التفاصيل المحلية لكل شركة.
Palantir تراهن على أن الذكاء الاصطناعي، عندما يرتبط بطبقة بيانات منظمة ومراقبة، يمكن أن يقترح سيناريوهات، يشرح تأثير القرارات، ويربط بين أقسام كانت تعمل سابقاً في جزر منفصلة. هنا يصبح الخلاف مع SaaS التقليدي واضحاً: هل نشتري أداة جاهزة، أم نبني نظاماً ذكياً يتكيف مع طريقة عمل المؤسسة؟
رغم الزخم، لا يخلو طرح Palantir من مخاطر. أولها التقييم المرتفع للشركة في السوق، إذ إن المستثمرين يسعرونها أحياناً على أساس أنها ستكون طبقة تشغيل مركزية لعصر الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. أي تباطؤ في النمو أو فشل في تحويل التجارب إلى عقود كبيرة قد يضغط على السهم.
ثانيها المنافسة. شركات مثل Microsoft وSalesforce وServiceNow وSAP لن تقف مكتوفة الأيدي، وهي تملك علاقات عميقة مع المؤسسات وقنوات توزيع ضخمة. إذا استطاعت هذه الشركات إدماج الذكاء الاصطناعي داخل منتجاتها بطريقة كافية، فقد تفضّل مؤسسات كثيرة البقاء داخل منظوماتها الحالية بدل اعتماد منصة جديدة.
ثالثها الثقة والحوكمة. استعمال الذكاء الاصطناعي داخل قرارات حساسة يحتاج إلى أمن، تتبع، تفسير، صلاحيات واضحة، ومسؤولية قانونية. لذلك فإن قتل SaaS ليس مهمة تقنية فقط، بل معركة ثقة داخل مجالس الإدارة والقطاعات المنظمة.
بالنسبة للشركات، الرسالة الأساسية هي أن شراء أدوات رقمية كثيرة لم يعد كافياً. المرحلة المقبلة قد تكافئ المؤسسات التي تملك بيانات منظمة، وتستطيع ربط الذكاء الاصطناعي بأهداف تشغيلية واضحة، بدل الاكتفاء بتجارب منفصلة أو اشتراكات لا تغير الأداء الحقيقي.
أما بالنسبة للمستخدمين والموظفين، فقد يعني ذلك انتقالاً من استعمال برامج متعددة إلى التعامل مع وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ خطوات داخل أنظمة الشركة. لكن هذا الانتقال يجب أن يتم بحذر، حتى لا تتحول الأتمتة إلى مصدر أخطاء أو قرارات غير مفهومة.
تصريح Palantir بأن SaaS مات يبدو أقرب إلى إعلان معركة منه إلى وصف نهائي للسوق. فالبرمجيات السحابية لن تختفي، لكنها تواجه ضغطاً من نموذج جديد يضع الذكاء الاصطناعي، البيانات، وسير العمل العميق في قلب القيمة. وإذا كانت Palantir قد نجحت في جعل هذا النقاش أكثر حدة، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يموت SaaS؟ بل: أي شركات برمجيات ستنجو من إعادة كتابة قواعد السوق؟
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
