الدكالي .. فنان المغرب الكبير

غنى عبد الوهاب الدكالي، الفنان المجدد ذو الروح الراقية الطافحة بالجميل المختلف، غنى بصوته الصافي الرخيم الماتع العذب أجمل القصائد والأزجال الروائع، ووضع لها ألحانًا خالدات مُشْرَبَةً ومفعمة بالإحساس الإنساني الرفيع، والصنعة الموسيقية المبدعة المرهفة والحاذقة، تلك التي لا يمتهنها إلا الكبار، العمالقة من طينته، ومن طينة أحمد البيضاوي، وعبد السلام عامر، ومحمد بن عبد السلام، وعبد القادر راشدي، وعبد النبي الجراري، وعبد الرحيم السقاط، وحسن القدميري، ومولاي أحمد العلوي، وعبد القادر وهبي، وآخرين.

غنى القصائد فأبدع وأشجى، ونفذ إلى القلب كخيط ماء زُلالٍ وترياق، ونجيع دم صافٍ وقانٍ ومُزْهِر: (لا تتركيني) لمحمد الجيار، و(هذي يدي ممدودة مَدِّ يَدَك)، و(هو الحب) و(مولد القمر) لمحمد الطنجاوي، و(حبيبتي)، و(آخر آه) لمحمد الخمار الكنوني، و(وشاية) لنزار قباني، و(فاس حيا الله أرضك) للمغيلي.

وصَدَحَ، على صعيد آخر، بأغانٍ بديعة بالعامية المغربية البهية المُنَمْنَمَة بأقلام شعراء ذوي قيمة إبداعية ومعرفية واسعة بوجدان الشعب العاطفي، وتشوفاته الجمالية. أذكر تمثيلًا: أحمد الطيب لعلج، حسن المفتي، علي الحداني، فتح الله المغاري، حمادي التونسي، التَّلباني. وفيها تألق وشَعَّ نجمه، وتكرس صوته، ورسخت قدماه على أرضية الغناء الصافي المشذب والمهذب، وتِبْر اللحن المُونَق المورِق البليغ والحفيف البليل الذي يسقط همسًا على بتلات الورد والأزهار، بحسب السياق التصويري والأحوال، والأداء العذب المتحكم فيه، المتموج العالي الصائت، والهامس الخفيف الصامت بحسبان الميزان، والمقام، وتبعًا لمقتضى ونداء النغم والإيقاع، ونبض الكلام.

إنه الموسيقار عبد الوهاب الدكالي، فنان المغرب الكبير، وصوته العظيم الشهير والذائع في أطراف ومدائن وأمصار العالم العربي، ولدى الجاليات والتجمعات العربية والمغربية في أطراف الكون، والجهات والأركان. ولا بأس أن نذكر رسوخ فنه وغنائه وصوته في ما سُمي بالأغنية الوطنية. ففيها تميز وأبدع وأتى بالرائع المكين، والبهي المبين. ولئن كان شعر المناسبات، شعر التلبيات والطلبات، ينطفيء بانطفاء المناسبات إياها، بحكم أنه قَرْضٌ ونَظْم وتصفيف لأوجه البلاغة والقوافي، وتفويف، فإن أداء ذاك الشعر غنائيًا بغية التأثير والتطريب، يتبخر بدوره في زحمة التغيرات والتحولات الوطنية والرسمية، وفي غمرة الأحداث والطوارئ. لكن، يبقى القالب الغنائي والوعاء اللحني، والسمت الإيقاعي عصيًا على التَّلَف والاندثار، لا سيما إذا صُبَّ فيه جهد فني عجيب، وسُكِبَ فيه ذوب وَجْدٍ ودم ونبوغ وخيال رطيب. وليس من شك في أن الإنصات إلى ما أداه الموسيقار الدكالي من أغانٍ رائعة تخليدًا للأعياد الوطنية، وفي مقدمتها عيد العرش، وعيد الشباب، وعيد ثورة الملك والشعب، تمجيدًا ومديحًا لباني المغرب الحديث، المغفور له الملك الحسن الثاني، يبعث النوستالجيا حية، ويثير الشؤون والشجون، مذكرًا بالإنجاز والإعجاز، ويحمل على الإطراب والإعجاب، على الرغم مما حف بتلك المراحل والذكريات من نعيم و”جحيم”. وهل لنا أن نذكر بِـ(حْبيبْ الجماهيرْ) التي مهدت للدكالي طريق الذيوع والشهرة والانتشار، وبِ(أغنية العهد) التي تعد من روائع الوطنيات التي كتب محمد الطنجاوي، فضلًا عن: (تْسارا.. تْسَارا بلادنا)، و(مليون هكتار) التي كانت جزءًا من خبزنا ومائنا ونحن تلاميذ نرددها في الغدو والرواح إلى الثانوية؟

فذخيرة عبد الوهاب الدكالي الغنائية والموسيقية والتطريبية، ثرية عريضة عميقة رائعة شجية بما لا يقاس. هو سفير البلاد الدائم إلى العباد أنَّى كانوا وحيثما وجدوا، ولا يُماري في هذا إلا ناكر أو جاحد، أو أعمى الرؤية والبصيرة، أو حاسد في قلبه مرض. أذكر أنه كان مناط ومحط صراع وسباب وعراك وتراشق بالنابي من الألفاظ والعداوة بيننا نحن التلاميذ والطلبة، لجهة مقارنته بالكبير – بلا منازع – الفنان عبد الهادي بلخياط. كنا فريقين: أحدنا ينتصر للدكالي، فيما ينتصر الفريق الآخر لبلخياط. وكنتُ – والله يشهد، وأصدقاء المرحلة يشهدون – أفضل الدكالي على بلخياط، مُقَدِّمًا، في تَعالُم غريب، الحجج والبراهين المسنودة وغير المسنودة، أمام الأصدقاء / الأعداء، مُثْنِيًا ومادحًا أغنية سمعتها، مقارنًا إياها بأغنية لبلخياط، خالصًا إلى تزكية الأولى على الثانية، وهكذا.

فُتِنْتُ بقصيدة (آخر آهْ) للشاعر محمد الخمار الكنوني، ولحن الكبير عبد السلام عامر، فحفظتها عن ظهر غيب، وترنمت بها في الصف وفي الخلف أمام التلميذات والتلاميذ. وبقصيدة (أنتِ) لأبي القاسم الشابي التي لحنها الكبير عبد النبي الجراري. كما فُتِنْتُ – مثلًا – بِـ(ميعاد) لعبد الهادي بلخياط، من تأليف الصديق الشاعر عبد الرفيع جواهري، ولحن عبد السلام عامر. غير أنني استمررت في تفضيل عبد الوهاب الدكالي على بلخياط. كما أعجبت أيما إعجاب بأغنية (حبيبتي عُدْتُ..) للشاعر محمد الخمار وتلحين عبد السلام عامر. علاوة على أغنية (لا تتركيني)، و(هذي يدي ممدودة)، و(هو الحب)، و(وشاية)، و(أيا فاس حيا الله أرضك)، وقصيدة (صلوات في هيكل الحب) التي صارت: (أنتِ). كنتُ أحفظ ولا زلت تلك النصوص الشعرية الغنائية البديعة وغيرها. كما رددت مزهوًا منتشيًا رائعة: (القمر الأحمر)، و(الشاطئ)، و(رموش) للفنان الكبير عبد الهادي بلخياط.

إنَّ احْتدادَ التنافسِ “الشريف” الخافت والجهير الذي اسْتَشْرَى بين الكبيرين: الدكالي وبلخياط، هو ما حمل الشعراء الغنائيين على تزويدهما ببديع ما يكتبون، ورائق ما يُدَبِّجون ويقترحون، الشيء الذي قاد إلى الاجتهاد والإجادة أكثر، والإبداع أنضر وأوفر، والتلحين أبدع وأبكر. ومع ذلك، ظللت مشدودًا عاشقًا لصوت ولحن الموسيقار عبد الوهاب الدكالي، معتبرًا إياه الأولَ، المبتكرَ الخلاق، لأنه أُوتيَ ثقافة موسيقية واسعة شَحَّتْ لدى صديقه الفنان بلخياط، علمًا أن بلخياط وُهِبَ صوتًا عذبًا عريضًا وقويًا يُلاعبه وَفْقَ النوتات والمقامات عُلُوًّا وهبوطًا بيسر وسلاسة وسهولة. لكن، عبد الوهاب الدكالي – في المقابل – يمتلك صوتًا مثقفًا، جميلًا وحنونًا، طروبًا وشجيًا هادئًا ومؤثرًا، شافيًا ومعافيًا كرحمة الماء للصَّدْيان. ولا عجب أن يُتَوَّجَ ويُصْطفى عميدًا للأغنية المغربية بإجماع أهل الفن والطرب والموسيقا ببلادنا. لا لأنه الرائد والسابق تاريخيًا في مجال الغناء والأداء، وإنما لأنه المبدع الخلاق، والمجدد السَّبَّاق. ومن ثم، لا غرابة في أن يعتلي سنام السُّلَّم.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
جريدة تيليغراف المغربية منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
جريدة كفى منذ ساعتين
موقع بالواضح منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 19 ساعة
أشطاري 24 منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة