بعد سنوات طويلة من الاحتكاك بالحياة، وخوض تفاصيل العمل السياسي والحزبي والنقابي والحقوقي والجمعوي، تعلمت درساً قاسياً لكنه ضروري: هو أن لا أوقع لأي بشر شيكاً على بياض . في البدايات كنت أنظر إلى بعض الرموز بعيون الحماس، أُخلط بين الإعجاب والحقيقة، وبين الصورة والممارسة، وأمنح الأشخاص هالات أكبر من حجمهم الإنساني. لكن التجربة علمتني أن الإنسان ليس فكرة ثابتة، بل كائن متحول، قد يرفعك إليه موقف، ثم يعيدك إلى الأرض موقف آخر. المهم، كثيرون هم الذين أثاروا إعجابي نضالياً وسياسياً، وكتبت عنهم بحماس صادق، ودافعت عنهم لأنني رأيت فيهم أملاً مختلفاً وسط هذا الخراب الرمادي.
ومن بين آخر هؤلاء الدكتورة نبيلة منيب، التي بدت في مرحلة ما صوتاً يسارياً يملك إشعاعاً خاصاً، حتى إنني وصفتها يوماً بزعيمة اليسار. لكن مع مرور الوقت، وكما حدث مع غيرها من الرموز، بدأت بعض الممارسات تخلق داخلي تلك المسافة الباردة بين الإعجاب والاقتناع الكامل. ومع ذلك، فالسقوط من مقام الإعجاب لا يعني السقوط من مقام الاحترام. فما زلت أختلف وأتفق معها ومع غيرها من الرموز التي آمنت بها يوماً، لكنني لم أعد أتعامل مع الأشخاص بعقلية التقديس، لأن التجربة علمتني أن النضال الحقيقي لا تحميه الشعارات، بل تحميه الاستقامة حين تصبح المواقف مكلفة. ولهذا كثيراً ما أتذكر مقولة المرحوم أحمد بنجلون حين كان يقول إن شهادة حسن السلوك لا تُسلَّم للمناضل إلا بعد دفنه ، أما ما دام حياً، فإن الأيام قد تكشف لك في سلوكه ما لم يكن متوقعاً.
لقد أدركت أخيراً أن أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه هو أن يحول الرموز إلى أصنام فكرية، لأن الحقيقة لا تسكن الأشخاص، بل تسكن المبادئ والأشخاص مجرد عابرين فوقها.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
