هل يبدأ إبطاء الشيخوخة من طبقك؟ دراسة جديدة تربط الغذاء النباتي بمؤشرات عمر أصغر

لا يتقدم العمر في شهادة الميلاد فقط؛ فالجسم يملك أيضاً مؤشرات داخلية تكشف كيف يتعامل مع الالتهاب، السكر، الكوليسترول، والضغط اليومي على الخلايا. من هنا جاء اهتمام دراسة حديثة بفكرة بسيطة لكنها لافتة: هل يمكن لتغيير قصير في نوعية الطعام، خصوصاً عبر تقليل الدهون وزيادة الأغذية النباتية أو الكربوهيدرات المعقدة، أن يجعل مؤشرات الجسم تبدو أصغر بيولوجياً؟ الجواب الأولي يبدو مشجعاً، لكنه يحتاج قراءة هادئة بعيداً عن الوعود السحرية.

بحثت دراسة حديثة من جامعة سيدني، نُشرت في مجلة Aging Cell، تأثير أربعة أنماط غذائية مختلفة على مؤشرات مرتبطة بالعمر البيولوجي لدى بالغين تتراوح أعمارهم بين 65 و75 عاماً. وشارك في الدراسة 104 أشخاص أصحاء نسبياً، جرى توزيعهم عشوائياً على أنظمة غذائية تجمع بين نسب مختلفة من الدهون والكربوهيدرات، وبين اعتماد أكبر أو أقل على البروتينات النباتية.

العمر الزمني هو عدد السنوات التي عاشها الإنسان، أما العمر البيولوجي فيحاول تقدير حالة الجسم ووظائفه من الداخل. يعتمد ذلك على مؤشرات قابلة للقياس مثل الكوليسترول، الإنسولين، الالتهاب، وبروتين C التفاعلي، وهي عناصر قد تعكس طريقة استجابة الجسم للغذاء والحركة والنوم والتوتر. لذلك، حين تتحدث الدراسة عن تحسن في العمر البيولوجي، فهي لا تقول إن الإنسان أصبح أصغر فعلاً، بل إن بعض المؤشرات الصحية تحسنت في اتجاه يرتبط عادة بشيخوخة أبطأ.

قسّم الباحثون المشاركين إلى أربع مجموعات: نظام آكل للحوم مرتفع الدهون، نظام آكل للحوم أعلى في الكربوهيدرات وأقل في الدهون، نظام شبه نباتي مرتفع الدهون، ونظام شبه نباتي أعلى في الكربوهيدرات وأقل في الدهون. جميع الأنظمة حافظت على نسبة بروتين متقاربة بلغت نحو 14% من الطاقة اليومية، لكن مصدر البروتين ونسبة الدهون والكربوهيدرات اختلفت من مجموعة إلى أخرى.

بعد أربعة أسابيع فقط، لاحظ الباحثون أن المجموعة التي بقي نظامها قريباً من النمط المعتاد، أي النظام آكل اللحوم المرتفع الدهون، لم تُظهر تغيراً مهماً في مؤشرات العمر البيولوجي. في المقابل، أظهرت المجموعات الأخرى تحسناً في تقديرات العمر البيولوجي، وكان الدليل الإحصائي الأقوى لدى المجموعة التي اتبعت نظاماً أقل دهوناً وأعلى في الكربوهيدرات المعقدة.

المهم في هذه الدراسة أن plant-forward لا تعني بالضرورة نظاماً نباتياً صارماً. فبعض الأنظمة كانت شبه نباتية فقط، أي إنها ركزت أكثر على البروتين النباتي مثل البقول والمصادر النباتية، مع تقليل الاعتماد على البروتين الحيواني. وهذا يجعل الرسالة العملية أقرب إلى الواقع: زيادة حضور النبات في الطبق، وليس إجبار الجميع على حذف كل الأطعمة الحيوانية.

تؤكد قراءة الدراسة أن الحديث لا يدور حول الإكثار من الحلويات أو الخبز الأبيض أو المشروبات السكرية. الكربوهيدرات المقصودة هنا كانت في الغالب من مصادر أقل معالجة، مثل الحبوب الكاملة، البقول، الخضروات والفواكه. لذلك، فالنتيجة لا تعني أن أي نظام عالي الكربوهيدرات مفيد، بل إن جودة الكربوهيدرات وسياق النظام الغذائي ككل هما العامل الحاسم.

قد ترتبط الفائدة المحتملة بعدة عوامل مجتمعة: زيادة الألياف، ارتفاع مضادات الأكسدة والمركبات النباتية، تحسن حساسية الإنسولين، وانخفاض بعض مؤشرات الالتهاب. كما أن تقليل الدهون المشبعة والاعتماد أكثر على مصادر نباتية كاملة قد يخفف الضغط على القلب والتمثيل الغذائي. لكن هذه التفسيرات تبقى احتمالات بيولوجية تحتاج متابعة أطول للتأكد من أثرها الحقيقي على المرض وطول العمر.

رغم أهمية النتائج، تبقى الدراسة قصيرة جداً؛ أربعة أسابيع لا تكفي للحكم على الشيخوخة أو طول العمر. كما أن المشاركين كانوا من كبار السن الأصحاء نسبياً، ولا يمكن تعميم النتيجة مباشرة على الشباب أو المرضى أو من لديهم احتياجات غذائية خاصة. الباحثون أنفسهم أشاروا إلى أن هذه التغيرات قد تكون استجابة فسيولوجية قصيرة المدى، وليست دليلاً نهائياً على إبطاء الشيخوخة على المدى الطويل.

الخطوة العملية ليست اتباع حمية قاسية، بل تعديل الطبق تدريجياً: زيادة الخضروات، إدخال البقول مثل العدس والحمص والفول، اختيار الحبوب الكاملة بدل المكررة، تقليل المقليات والدهون المشبعة، والاعتماد على المكسرات والبذور وزيت الزيتون باعتدال. كما يبقى البروتين مهماً، خصوصاً لكبار السن، لذلك ينبغي عدم تقليله عشوائياً أو حذف مجموعات غذائية كاملة دون استشارة مختص عند وجود مرض مزمن أو أدوية منتظمة.

بالنسبة لكبار السن، لا يجب أن يتحول الاهتمام بالغذاء النباتي إلى نقص في البروتين أو الحديد أو فيتامين B12 أو الكالسيوم. الأنظمة النباتية أو شبه النباتية قد تكون صحية جداً إذا كانت متوازنة، لكنها تحتاج تخطيطاً جيداً، خصوصاً عند من يعانون من ضعف الشهية، السكري، أمراض الكلى، فقر الدم، أو فقدان الكتلة العضلية. لذلك، الأفضل التعامل مع هذه النتائج كدافع لتحسين جودة الطعام، لا كوصفة موحدة للجميع.

تقترح الدراسة أن النظام الغذائي الأقل دهوناً والأكثر اعتماداً على الأغذية النباتية أو الكربوهيدرات المعقدة قد يحسن مؤشرات مرتبطة بالعمر البيولوجي خلال فترة قصيرة. لكن الرسالة الأهم ليست أن الطعام يعكس الشيخوخة بضربة واحدة، بل أن الجسم قد يستجيب بسرعة لتحسين نوعية الغذاء. وبين الحماس والحذر، يبقى الخيار الأكثر أماناً هو طبق متوازن غني بالخضروات، البقول، الحبوب الكاملة، الدهون الصحية، والبروتين الكافي، مع متابعة طبية عند الحاجة.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ 8 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 8 ساعات
منذ ساعة
منذ 10 ساعات
جريدة كفى منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
جريدة كفى منذ 18 ساعة
جريدة كفى منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 21 ساعة
موقع بالواضح منذ ساعتين