كيف استعادت الأمة بوصلتها؟
إذا كانت الحلقات السابقة من سلسلة ما أشبه اليوم بالبارحة قد كشفت كيف تصعد القوى الجديدة من الأطراف حتى تدخل عمق الإمبراطوريات الكبرى، كما فعل السلاجقة بقيادة ألب أرسلان في معركة ملاذكرد، فإن التاريخ يكشف نموذجا آخر لا يقل أهمية، فبعض الأمم لا تكون معركتها الأولى في اقتحام الخارج، بل في إعادة بناء الداخل الممزق.
وهذا ما أدركه صلاح الدين مبكرا؛ إذ لم يكن الخطر الذي واجهه مقتصرا على وجود الحملات الصليبية في القدس والشام، بل كان الخطر الأكبر في تفكك الجبهة الداخلية الإسلامية، وتعدد الولاءات، وتحول الصراعات السياسية إلى استنزاف دائم أنهك الأمة وأفقدها قدرتها على المواجهة.
فبعد سقوط القدس سنة 1099م بيد الصليبيين، دخل العالم الإسلامي مرحلة طويلة من الاضطراب والانقسام، حتى ظن كثير من الناس أن استعادة القدس أصبحت حلما بعيدا. ولم يكن المشروع الصليبي مجرد احتلال عسكري، بل مشروع نفوذ طويل المدى؛ أقام كيانات مستقرة، وسيطر على طرق استراتيجية، واستنزف المنطقة سياسيا واقتصاديا وعسكريا لسنوات طويلة.
وهنا يظهر الفارق بين القائد العسكري العابر ورجل الدولة صاحب المشروع. لقد أدرك صلاح الدين أن تحرير القدس لا يبدأ من أسوارها، بل من توحيد الداخل، وإنهاء التنازع، وإعادة بناء الثقة بين قوى الأمة. ولهذا لم يبدأ مشروعه بمعركة كبرى، بل بدأ ببناء مشروع وحدة طويل النفس؛ فوحد مصر والشام، وأعاد تنظيم المؤسسة العسكرية، وربط القوة بالعدل، والسياسة بالمصلحة العامة، والجهاد ببناء الإنسان.
وفي فقه السياسة الشرعية، فإن الأمم التي تتنازع داخليا لا تستطيع مواجهة المشاريع الخارجية مهما امتلكت من الحماسة والعاطفة؛ لأن الصراع الطويل يحتاج إلى: وحدة قرار، واستقرار داخل، ومشروع جامع، وقدرة على الصبر والتراكم. ولهذا لم يكن صلاح الدين يبني جيشا فقط، بل كان يعيد بناء الروح السياسية والحضارية للأمة.
ثم جاءت معركة حطين سنة 583هـ / 1187م؛ المعركة التي لم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة القبس
