دخول العيد إلى البرلمان.. لكن من يتحمل تكلفة الأزمات في المغرب؟

لكن السؤال الذي يطرحه المواطن اليوم ليس من أخطأ في الأرقام؟ ولا من يتحمل مسؤولية سوء التقدير؟

بل السؤال الأكثر قسوة هو ماذا سيفيد هذا التحقيق مواطنا دفع ثمن أزمة العيد مسبقا من جيبه وأعصابه وقدرته الشرائية؟

فالمواطن هو الحلقة الأضعف دائما.

هو من تحمل غلاء المحروقات وهو من أدى ثمن ارتفاع المواد الأساسية وهو من دفع كلفة التنقل في طرق مهترئة ومزدحمة ومليئة بالردارات والغرامات. وفي الأخير هو من وجد نفسه هذه السنة أمام أسعار أضاحي تحولت إلى صدمة جماعية حقيقية.

واليوم بعد انتهاء العيد لا يفكر جزء كبير من المواطنين في أجواء العيد بل في كيفية تسديد الديون واسترجاع التوازن المالي للأسرة بعد نزيف استمر أسابيع.

وفي انتظار الأزمة المقبلة يبدو أن المطلوب من المواطن أن يستمر فقط في أداء دور المتحمل الرسمي لكل اختلالات السياسات العمومية.

فنحن اليوم أمام وضعية متازمة شيئا فشيئا تحول عيد الأضحى من مناسبة دينية واجتماعية مرتبطة بالفرح والتضامن وصلة الرحم إلى موسم للقلق والتوتر والضغط النفسي والحسابات المالية المعقدة.

في كل سنة يتكرر نفس السيناريو بشكل يكاد يكون مملا نسمع تصريحات مطمئنة أرقام رسمية تؤكد وفرة القطيع خطابات تتحدث عن استقرار السوق ثم ينزل المواطن إلى الأسواق ليكتشف واقعا مختلفا تماما (أسعار ملتهبة عرض محدود احتقان وفوضى. ومشاهد توتر كأن المجتمع يستعد لعبور أزمة لا للاحتفال بعيد).

الأخطر ليس فقط الغلاء بل ذلك الانفصال المتزايد بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي.

فقبيل العيد يسمع المواطن عبر بعض المنابر الرسمية أن كل شيء تحت السيطرة وأن الأسعار مناسبة ثم ما إن يغير المحطة أو القناة حتى يستمع مباشرة إلى مواطنين يشتكون من الغلاء والعجز عن اقتناء الأضحية.

هنا تبدأ أخطر أزمة وهي أزمة فقدان الثقة لأن المواطن عندما يشعر أن ما يعيشه لا يشبه ما يسمعه تصبح الأرقام بلا معنى ويتحول الخطاب المطمئن إلى مصدر إضافي للغضب والسخرية والاحتقان.

لقد أصبح عيد الأضحى في المغرب مؤشرا سياسيا واجتماعيا حقيقيا يقيس درجة الاحتقان داخل المجتمع ودرجة تآكل القدرة الشرائية.

وفي كل سنة أيضا نعود إلى نفس الخطاب الموسمي ( نصائح حول كيفية الذبح والتخزين دعوات إلى الترشيد حملات توعية حول التنقل والسلامة الطرقية حديث عن المضاربين والشناقة والوسطاء.

ثم ينتهي الموسم كسابقيه ويبدأ الاستعداد النفسي للأزمة المقبلة.

أما النقاش الحقيقي فيتم الهروب منه دائما. لا أحد يريد أن يطرح السؤال المؤلم وهو هل نحن أمام أزمة ظرفية أم أمام نموذج اقتصادي واجتماعي وصل إلى مرحلة الإنهاك؟

سنوات طويلة من البرامج والشعارات والاستراتيجيات لم تمنع من وصول المواطن إلى وضع أصبح فيه شراء الأضحية أقرب إلى مغامرة مالية قد تربك ميزانية الأسرة لأشهر.

بل الأخطر أن المواطن أصبح يشعر بأنه المتهم الدائم في كل أزمة. فإذا ارتفعت الأسعار قيل إنه يلهث وراء المظاهر وإذا وقع الاكتظاظ قيل إنه لا يحسن الاستهلاك واذا كثرت الحوادث قيل إنه لا يحترم القانون وإذا اشتكى من الغلاء قيل له إن السلع متوفرة.

وإذا انفجر غضبه قيل إنه لا يفهم منطق السوق.

هذه السنة أضيف عنصر آخر أكثر خطورة يتمثل فتحول بعض الطبالة ومروجي الخطاب التبريري إلى محاكم اجتماعية جاهزة لإدانة المواطن بدل مساءلة أسباب الأزمة نفسها.

صحيح أن بعض السلوكيات الاجتماعية قد تساهم أحيانا في تعقيد الوضع لكن اختزال الأزمة في سلوك المواطن وحده لم يعد يقنع أحدا.

لأن تدبير الأزمات مسؤولية الدولة والسياسات العمومية لا مسؤولية المواطن وحده. ولهذا لم يعد كافيا الحديث عن تحقيقات ظرفية أو تقارير تقنية أو حتى تسقيف للأسعار رغم أهمية هذه الإجراءات.

المطلوب اليوم هو شجاعة سياسية حقيقية تبرز من خلال الإجابة على أسئلة مثل كيف نحمي القدرة الشرائية فعلا، كيف نعيد تنظيم سوق الأضاحي، كيف نعيد الثقة في الأرقام العمومية، كيف نمنع تحول الأعياد إلى مواسم للاحتقان؟

وكيف نجعل المواطن يشعر أن الدولة تتقاسم معه الأزمات بدل الاكتفاء بمطالبته بالصبر والتكيف؟

ربما آن الأوان لكي تتحول أجوبة هذه الأسئلة إلى جزء أساسي من البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات بعد كل عيد.

لأن أخطر ما يمكن أن يقع لأي مجتمع ليس فقط تكرار الأزمات بل أن يعتاد عليها وأن يصبح الغلاء عاديا والاحتقان عاديا وفقدان الثقة عاديا وأن يتحول المواطن إلى مجرد طرف يؤدي الفاتورة كل سنة بصمت.

وكأننا ذلك القطيع الذي يعبر النهر كل سنة من نفس المكان، رغم أنه يعرف مسبقا أن التماسيح تنتظره هناك.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
وكالة الأنباء المغربية منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة
بلادنا 24 منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 13 ساعة