أحمد عصيد وبوجلود.. سؤال التناقض بين البدوي المتخلف و التراث العريق

في النقاش الثقافي لا تكفي قوة العبارة. المهم هو ثبات المعيار. لأن أخطر ما يصيب الخطاب ليس أن يكون حادا، بل أن يصبح انتقائيا: يرفض الشيء حين لا يعجبه سياقه، ثم يدافع عن شبيهه حين يخدم زاوية أخرى من التفكير.

وهنا يطرح اسم أحمد عصيد نفسه داخل نقاش بوجلود وعيد الأضحى، لا بوصفه شخصا فقط، بل بوصفه نموذجا لخطاب واسع في المغرب: خطاب ينتقد بعض مظاهر العيد داخل المدن باعتبارها سلوكات بدوية أو مظاهر تخلف ، لكنه في المقابل يدافع عن بيلماون/بوجلود باعتباره موروثا ثقافيا أمازيغيا يستحق الحماية.

قد يبدو الأمر في البداية عاديا: يمكن للمرء أن ينتقد الفوضى والروائح واحتلال الفضاء العام يوم العيد، وفي الوقت نفسه يدافع عن طقس شعبي منظم له رمزيته. هذا ممكن نظريا. بل قد يكون مقبولا إذا كان المعيار واضحا: النظافة، التنظيم، احترام الفضاء العام، وحماية كرامة الناس.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول اللغة نفسها إلى سكين يقطع في اتجاه واحد. حين يصبح مشهد الأضاحي والجلود والذبح داخل المدن بدوية متخلفة ، ثم يصبح بوجلود، بما فيه من جلود وأقنعة وتجوال في الشوارع وضجيج وفرجة، تراثا ضاربا في العمق ، فإن السؤال يصبح مشروعا: ما هو المعيار الحقيقي؟ هل نرفض الجلد لأنه يزعج المدينة، أم نقبله حين نضعه في إطار هوياتي؟ هل المشكلة في المظهر نفسه، أم في من يملكه ومن يفسره؟

بوجلود، في جوهره، لا ينفصل عن عيد الأضحى. يخرج من جلد الأضحية، ومن أجواء العيد، ومن الشارع، ومن الفرجة الشعبية. إنه ابن اللحظة نفسها التي ينتقدها البعض حين تتخذ شكل الذبح والسلخ ومخلفات العيد داخل المدينة. فإذا كان الجلد في سياق الأضحية علامة تخلف، فكيف يصبح الجلد نفسه في سياق بيلماون علامة أصالة؟ وإذا كان حضور الحيوان والدم والروائح والشارع يزعج صورة المدينة الحديثة، فلماذا لا يزعجها القناع والجلد والصخب والجري بين الأزقة؟

هذا لا يعني أن بوجلود يجب أن يُرفض. بالعكس، بوجلود موروث شعبي له مكانته في الذاكرة المحلية، وخاصة في مناطق سوس. ولا يعني أيضا أن كل مظاهر العيد داخل المدن يجب أن تبقى كما هي دون تنظيم. المطلوب أعمق من ذلك: المطلوب أن نستعمل المعيار نفسه على الجميع.

إذا كان المعيار هو النظافة، فلنطبقه على العيد وبوجلود معا.

إذا كان المعيار هو احترام الفضاء العام، فلنطبقه على الذبح والفرجة معا.

إذا كان المعيار هو صون التراث، فلنحترم شعيرة العيد وما تولد عنها من عادات، كما نحترم بيلماون وبوجلود.

أما إذا كان المعيار هو الهوية، فليكن واضحا: لا يجوز أن يصبح ما يرتبط بالدين تخلفا، وما يرتبط بالهوية الثقافية تراثا، فقط لأن القراءة الإيديولوجية تغير الاسم لا الواقع.

هنا تكمن المفارقة. فالمجتمع لا يفهم لماذا يُطلب منه أن يخجل من بعض مظاهر العيد لأنها بدوية ، ثم يُطلب منه أن يفتخر بطقس آخر يخرج من البيئة الشعبية نفسها، ويستعمل الجلد نفسه، ويتحرك في الفضاء نفسه، ويحمل بدوره أشكالا من الفوضى والضجيج والاحتكاك بالشارع.

الناس البسطاء لا يفكرون بهذه التصنيفات المعقدة. بالنسبة إليهم، العيد كل واحد: أضحية، أسرة، جيران، فرح، لحم، جلد، أطفال، روائح، تنظيف، وتقاليد تختلف من منطقة إلى أخرى. وبوجلود جزء من هذا العالم الشعبي، لا كائن هبط من كتاب في الأنثروبولوجيا.

لذلك، عندما يسمع المواطن أن مظاهر العيد داخل المدينة غير مدنية ، ثم يسمع أن بوجلود تراث عريق ، قد لا يدخل في تفاصيل الفلسفة والأنثروبولوجيا، لكنه يشعر بشيء بسيط: هناك انتقاء. هناك قسوة في الحكم على عادة، وحنان زائد في الحكم على عادة أخرى. هناك لغة صارمة هنا، ولغة احتفالية هناك.

والإنصاف يقتضي أن نقول إن نقد الفوضى مشروع. لا أحد عاقل يدافع عن تلويث الأزقة، أو ترك مخلفات الذبح، أو إيذاء الجيران، أو تحويل العمارات والشوارع إلى فضاءات بلا حد أدنى من النظافة. المدينة تحتاج إلى قواعد. والعيش المشترك يحتاج إلى احترام. لكن وصف هذه المظاهر كلها بالتخلف، دون فصل بين الشعيرة وسوء التدبير، يسقط في تبسيط جارح.

الأضحية ليست تخلفا. الفوضى هي المشكلة.

الجلد ليس تخلفا. سوء استعماله هو المشكلة.

الشارع ليس عدوا للفرح. غياب التنظيم هو المشكلة.

والتراث ليس مقدسا فوق النقد. التشويه الذي يفرغه من روحه هو المشكلة.

بهذا المعيار فقط يمكن أن نكون منصفين. أما أن نرفع صوتنا ضد البدوي حين يتعلق الأمر بسلوك ديني شعبي، ثم نلين الكلام ونستدعي العمق الثقافي حين يتعلق الأمر بطقس هوياتي، فهذا يفتح الباب أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل نحن أمام تحليل ثقافي، أم أمام انتقاء إيديولوجي؟

ولعل بوجلود نفسه اليوم يحتاج إلى هذا النقاش بصدق. فالدفاع عنه لا يعني القبول بكل ما يقع باسمه. هناك مظاهر دخيلة بدأت تزاحم روحه: أقنعة غريبة، رموز قاتمة، لباس صادم، تصرفات لا تحترم الأسر ولا الأطفال ولا المارة. فإذا كنا نريد حماية بوجلود، فعلينا أن نحميه من التشويه كما نطالب بتنظيم مظاهر العيد داخل المدن.

وهنا يصبح سؤال عصيد، أو أي مثقف يحمل خطابا مشابها، سؤالا عاما لا شخصيا: هل نملك الشجاعة لنطبق النقد على التراث الذي نحبه كما نطبقه على العادات التي لا تعجبنا؟ هل نقبل أن نقول إن بوجلود جميل حين يحفظ ذاكرته، ومرفوض حين يتحول إلى فوضى؟ هل نقبل أن نقول إن عيد الأضحى شعيرة محترمة، لكن بعض ممارساته الحضرية تحتاج إلى تنظيم؟ أم نفضل لغة سهلة تقسم العالم إلى تخلف هنا وتراث هناك؟

القضية ليست مع أحمد عصيد وحده. القضية مع طريقة تفكير أصبحت حاضرة في النقاش العام: ننتقي من التراث ما يخدم موقفنا، ونقسو على ما يخالف ذوقنا. نسمّي الشيء موروثا عندما نحتاجه في معركة الهوية، ونسمّيه تخلفا عندما يزعج صورة الحداثة التي نريدها.

لكن التراث لا يقبل هذا اللعب بسهولة. التراث كله خرج من المجتمع، من القرية والمدينة، من الدين والعرف، من الفرح والخوف، من الجلد والخبز والدم والرقص والذاكرة. لا يمكن أن نأخذ منه ما يلمع في الخطاب، ونرمي ما يحرجنا في الواقع.

الحداثة الحقيقية لا تحتقر الناس. لا تقول لهم إن فرحتهم بدوية متخلفة، ثم تطلب منهم التصفيق لفرجة شعبية لأنها تحمل عنوانا ثقافيا آخر. الحداثة الحقيقية تنظم، تهذب، تشرح، ترتب الفضاء العام، وتحمي الحرية والكرامة والنظافة، دون أن تسخر من وجدان الناس.

إذا كان المطلوب مدينة نظيفة، فلنتفق.

إذا كان المطلوب عيد منظم، فلنتفق.

إذا كان المطلوب بوجلود مؤطر يحترم العائلات، فلنتفق.

لكن إذا كان المطلوب أن نحاكم عادة بقسوة ونبرئ أخرى بالعاطفة، فهنا يجب أن نتوقف.

السؤال البسيط الذي يفهمه الجميع هو هذا: لماذا يصبح جلد الأضحية داخل البيت والشارع دليلا على التخلف، ثم يصبح الجلد نفسه فوق جسد بوجلود دليلا على الأصالة؟ لماذا تُدان الفوضى حين تأتي مع العيد، وتُغتفر حين تأتي باسم التراث؟ ولماذا لا نقول الحقيقة كاملة: العيد يحتاج إلى تنظيم، وبوجلود يحتاج إلى تأطير، وكلاهما جزء من مجتمع يجب أن يتطور دون أن يحتقر ذاكرته.

بهذا الفهم فقط نخرج من التناقض. لا بتخوين أحد، ولا بتقديس أحد، ولا بتجريح الأشخاص. بل بسؤال واضح: هل نحن ثابتون في معاييرنا أم نغيرها حسب الموضوع؟

فالموروث لا يُحمى بالانتقاء. والحداثة لا تُبنى بالاحتقار. والنقاش الحقيقي يبدأ عندما نجرؤ على مساءلة منطقنا قبل أن نحاكم عادات الناس.

خلاصة المقال المفارقة في خطاب أحمد عصيد ليست في نقد الفوضى أو الدفاع عن بوجلود، بل في اختلاف معيار الحكم: متى يصبح الجلد والشارع علامة تخلف، ومتى يصبحان رمزا للتراث؟

نقد مظاهر الفوضى في عيد الأضحى مشروع، لكن لا يجوز الخلط بين الشعيرة وسوء التدبير.

الدفاع عن بوجلود كموروث شعبي لا يعفيه من النقد عندما تظهر باسمه مظاهر مشوهة أو دخيلة.

المعيار المنصف واحد: التنظيم والنظافة واحترام الفضاء العام، سواء في العيد أو في بوجلود.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ 11 ساعة
منذ 6 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ ساعة
هسبريس منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 21 ساعة
هسبريس منذ 17 ساعة
هسبريس منذ ساعتين
هسبريس منذ 19 ساعة
هسبريس منذ 7 ساعات