المنبر الحر | فرنسا تفتح ملف الإرث الاستعماري وإعادة الكنوز المنهوبة.. وأسئلة الاعتذار والتعويض تظل معلقة

في خطوة وُصفت بأنها تحول مهم في ملف الذاكرة الاستعمارية وإعادة الممتلكات الثقافية، صادق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم 9 ماي 2026، على قانون جديد يهدف إلى تسهيل إعادة الأعمال الفنية والمنقولات الثقافية التي خرجت من بلدانها الأصلية خلال فترة الاستعمار، وهو ملف ظل مطروحا بإلحاح في النقاشات الدولية، خصوصا من قبل دول إفريقية وآسيوية.

وحسب ما نُشر في الجريدة الرسمية الفرنسية، فإن هذا القانون يسمح للحكومة بإخراج أي عمل فني من الملك العام عبر مرسوم إداري، دون الحاجة إلى سنّ قانون خاص لكل حالة على حدة كما كان معمولا به سابقا، وهو ما يعد تبسيطا للإجراءات وتسريعا لمساطر الإرجاع.

غير أن النص القانوني وضع قيودا وشروطا دقيقة، من بينها أنه في حال كان الممتلك الثقافي عائدا إلى شخص معنوي خاضع للقانون العام غير الدولة، فلا يمكن سحبه من الملك العام إلا بعد موافقة تلك الجهة المالكة، كما حصر نطاق تطبيقه في الممتلكات التي تم اقتناؤها بين 20 نونبر 1815 و23 أبريل 1972، أي ضمن مرحلة توسع الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية وما بعدها إلى حدود اعتماد الإطار الدولي الذي أقرته اليونسكو لاحقا بشأن حماية وإرجاع الممتلكات الثقافية.

ويأتي هذا القانون في سياق التزام سياسي سبق أن عبّر عنه الرئيس الفرنسي سنة 2017، في خطابه الشهير بمدينة واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو، حين وعد بفتح صفحة جديدة في العلاقة بين فرنسا ودول إفريقيا، خاصة في ما يتعلق بملف الإرث الاستعماري واستعادة القطع الفنية التي خرجت من بلدانها بطرق مختلفة خلال تلك الحقبة.

ورغم أهمية هذا التطور القانوني، إلا أن هناك تساؤلات كبرى لا تزال مطروحة على الساحة الدولية والضمير الإنساني، تتجاوز مسألة القطع الفنية إلى جوهر العلاقة التاريخية بين فرنسا ومستعمراتها السابقة: هل ستقدم فرنسا اعتذارا رسميا وصريحا للدول والشعوب التي خضعت للاستعمار وما رافقه من مآسي تاريخية؟ هل سيتم الاعتراف الكامل بالمعاناة التي تعرضت لها الشعوب، بمن في ذلك ضحايا المقاومة ضد الاستعمار وعائلاتهم؟ هل ستشمل الخطوات المستقبلية تعويضات عادلة عن الأضرار البشرية والمادية التي خلفها ذلك الماضي؟ هل سيُفتح ملف الكنوز الثقافية والوثائق التاريخية والآثار النفيسة التي لا تزال موزعة بين المتاحف والمخازن الفرنسية؟ وهل ستتوقف فرنسا، ومعها قوى استعمارية سابقة، عن أي أشكال من التدخل غير المباشر في شؤون الدول ذات السيادة، أو فرض وصاية سياسية واقتصادية على مساراتها التنموية؟ ثم هل سيكون هذا القانون بداية قطيعة حقيقية مع منطق النهب التاريخي، أم أنه مجرد خطوة رمزية في مسار طويل لم يُحسم بعد ؟

إن هذه الأسئلة، وإن بدت سياسية وقانونية في ظاهرها، فإنها في عمقها تمس الذاكرة الجماعية للشعوب وحقها في الإنصاف التاريخي، كما تعكس حجم الترقب العالمي لأي تحول حقيقي من خطاب الاعتراف إلى فعل العدالة.

ويبقى الرهان الأكبر اليوم، ليس فقط في إعادة القطع الفنية إلى موطنها الأصلي، بل في إعادة الاعتبار لتاريخ الشعوب وكرامتها، وبناء علاقات دولية تقوم على المساواة والاحترام المتبادل، بعيدا عن إرث القوة والهيمنة.


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

إقرأ على الموقع الرسمي


هسبريس منذ ساعة
جريدة كفى منذ 13 ساعة
هسبريس منذ ساعة
بلادنا 24 منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 15 ساعة
هسبريس منذ 17 ساعة
هسبريس منذ ساعة
Le12.ma منذ 9 ساعات