وقد مكنت هذه المرحلة من تحقيق مكتسبات ملموسة، أبرزها تعميم ورش الحماية الاجتماعية الذي استفاد منه ملايين المواطنين، بالإضافة إلى تسريع وتيرة الاستثمارات في البنيات التحتية الاستراتيجية، وتطوير قطاعات واعدة كالصناعة والطاقات المتجددة، فضلاً عن إطلاق ميثاق جديد للاستثمار يهدف إلى تحفيز المبادرة الخاصة وتنشيط النسيج الاقتصادي.
وفي هذا السياق، أصدر مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي تقريراً تقييمياً مفصلاً تحت عنوان "خمس سنوات من النموذج التنموي الجديد: ماذا تحقق وما الذي تعثر؟"، استعرض فيه حصيلة التنزيل، مسلطاً الضوء على الفجوة القائمة بين الطموحات الكبرى التي رسمتها رؤية 2035، وواقع التنفيذ على الأرض.
وقد اعتمد المركز في هذا التقييم منهجية تحليلية رصدت التقدم المحرز في الإصلاحات المؤسساتية والاجتماعية، مقابل تشخيص دقيق للاختلالات الهيكلية التي لا تزال تعيق تحقيق الإقلاع التنموي المنشود، مستنداً في ذلك إلى معطيات إحصائية ومؤشرات الأداء القطاعي.
وكشف التقرير عن استمرار تحديات بنيوية تعترض مسار التحول التنموي، وعلى رأسها أزمة التشغيل وضعف قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص شغل مستدامة ذات قيمة مضافة عالية، حيث ظلت معدلات البطالة مرتفعة خاصة في صفوف الشباب. كما أشار التقرير إلى محدودية الأثر الملموس للإصلاحات على جودة خدمات التعليم والصحة، مؤكداً أن الفوارق الاجتماعية والمجالية لا تزال قائمة، إلى جانب بروز مؤشرات مقلقة تتعلق باتساع مظاهر الهشاشة، وهيمنة المقاربة التكنوقراطية في التدبير على حساب أدوار الوساطة السياسية والمجتمعية.
وأرجع المركز تعثر بعض الأوراش إلى عوامل داخلية وخارجية متداخلة، منها تداعيات الأزمات الدولية والضغوط التضخمية التي أثرت على القدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن معيقات هيكلية كاستمرار الاقتصاد غير المهيكل، وتنامي مظاهر الريع والاحتكار، وضعف فعالية بعض برامج الدعم العمومي. كما نبه التقرير إلى خطورة تراجع الثقة بين المواطن والمؤسسات، وهو ما يستوجب وفقاً للباحثين ضرورة تعبئة أكبر للرأسمال البشري وتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
واختتم المركز تقريره بتقديم حزمة من التوصيات الاستراتيجية لتصحيح المسار، داعياً إلى اعتماد إصلاحات أكثر جرأة تعيد وضع الإنسان في قلب السياسات العمومية.
وقد شملت المقترحات ضرورة الانتقال من "اقتصاد النمو" إلى "اقتصاد التشغيل" كأولوية قصوى، وإقرار ميثاق وطني ملزم للتشغيل، بالإضافة إلى إحداث ثورة حقيقية في قطاعي التعليم والصحة، وتقوية دور الطبقة الوسطى، وتعزيز صلاحيات هيئات الحكامة ومحاربة الاحتكار، بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة لثمار التنمية ويحقق العدالة الاجتماعية والمجالية المطلوبة.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
