دخل ملف النقل الحضري وشبه الحضري بأكادير الكبير مرحلة حاسمة، بعد انحصار المنافسة على تدبير شبكة الحافلات وحافلات المستوى العالي من الخدمة بين شركتي سوبراتور المغربية و ألزا سيتي ، في صفقة يرتقب أن تحدد شكل تنقل آلاف المواطنين خلال السنوات العشر المقبلة.
وبحسب المعطيات المتوفرة، أسفرت مرحلة فتح الأظرفة المتعلقة بطلب العروض المفتوح رقم 2/2026 عن قبول ملفي الشركتين من الناحية القانونية والإدارية، فيما تتواصل دراسة العروض التقنية والمالية قبل الإعلان عن المفوض له الذي سيتولى تشغيل هذا المرفق العمومي الحيوي.
ولا يتعلق الأمر بمنافسة تجارية عادية بين شركتين، بل بقرار سيؤثر مباشرة في الحياة اليومية لساكنة أكادير وإنزكان آيت ملول والدشيرة الجهادية والقليعة وأيت ملول وتيكوين والتمسية وأورير وتغازوت وباقي الجماعات المرتبطة بشبكة النقل في أكادير الكبير.
فالحافلة بالنسبة إلى الطالب والعامل والمريض والمستخدم ليست مجرد وسيلة عبور؛ إنها موعد يومي مع الوقت والكلفة والراحة والأمان. لذلك، فإن اختيار المدبر الجديد سيقاس، في نظر المرتفقين، بقدرته على إنهاء الانتظار الطويل، واحترام المواعيد، وتحسين الربط بين الأحياء والجماعات، وتوفير خدمة تليق بمدينة تتوسع بسرعة وتستعد لاستحقاقات دولية كبرى.
تأتي هذه المرحلة بعد مسار عرف تحولات خلال الأشهر الماضية. فقد سبق لمجموعة الجماعات الترابية أكادير الكبير للنقل والتنقلات الحضرية أن ألغت طلب العروض السابق رقم 5/2025، الذي كان يهم بدوره التدبير المفوض للنقل العمومي الحضري وشبه الحضري بواسطة الحافلات وBHNS.
وبعد إلغاء المسطرة الأولى، أعيد إطلاق المنافسة من خلال طلب العروض المفتوح رقم 2/2026، الذي يستهدف اختيار مدبر جديد لمدة عشر سنوات، ضمن نموذج تعاقدي يراد له أن يواكب التحول الذي تعرفه منظومة النقل بأكادير الكبير.
وخلال المرحلة الانتقالية، تواصل شركة ألزا سيتي أكادير تشغيل خدمة النقل بالحافلات، لضمان استمرار المرفق العمومي وعدم حدوث فراغ في التنقل اليومي للساكنة، إلى حين استكمال المسطرة ودخول العقد الجديد حيز التنفيذ.
تكتسي المنافسة الحالية أهمية خاصة بالنظر إلى هوية الطرفين المتأهلين. فشركة ألزا سيتي تدبر النقل الحضري بأكادير منذ سنوات، وتعرف تفاصيل الشبكة وإكراهاتها اليومية وحاجيات المرتفقين، لكنها تدخل هذه المرحلة تحت ضغط تقييم تجربة طويلة لم تخل من انتقادات المواطنين بشأن الاكتظاظ والانتظار وجودة بعض الخطوط.
في المقابل، تدخل سوبراتور ، التابعة للمكتب الوطني للسكك الحديدية، المنافسة باعتبارها فاعلا وطنيا يملك خبرة في نقل المسافرين، ويسعى إلى توسيع حضوره في قطاع النقل الحضري داخل المدن.
لكن هوية الشركة وحدها لا تكفي لحسم الأفضلية. فالمعيار الذي يهم المواطن هو العرض القادر على تقديم خدمة منتظمة، ومريحة، ومندمجة مع أمل واي ، ومرتبطة بشبكة تغطي المجال الحضري وشبه الحضري بعدالة، دون ترك جماعات أو أحياء في هامش الخدمة.
تمتد آثار هذه الصفقة إلى ما هو أبعد من تغيير اسم الشركة على الحافلات. فالعقد الجديد يهم تدبير شبكة واسعة تشمل الحافلات التقليدية وحافلات المستوى العالي من الخدمة، ضمن مجال يخدم 24 جماعة بأكادير الكبير.
وينتظر المرتفقون أن يترجم العقد الجديد إلى تحسن ملموس في عدة نقاط أساسية، في مقدمتها انتظام الرحلات، وتقليص فترات الانتظار، وتوسيع التغطية نحو المناطق التي تعرف نموا سكانيا وعمرانيا، وتحسين الربط بالمستشفيات والجامعات والمناطق الصناعية والمرافق الإدارية والسياحية.
كما ينتظر المواطنون وضوحا أكبر في التسعيرة والاشتراكات ووسائل الأداء، وتوفيرا للمعلومة حول مواعيد الوصول والانطلاق، خاصة أن النقل الحديث لم يعد يقوم فقط على الحافلات، بل على تطبيقات التتبع، والتذاكر الذكية، والمراقبة المنتظمة لجودة الخدمة.
وبالنسبة للأشخاص في وضعية إعاقة وكبار السن والأسر المصحوبة بأطفال، يصبح الولوج السلس إلى الحافلات والمحطات جزءا أساسيا من جودة المرفق، لا امتيازا إضافيا يمكن تأجيله.
تجري المنافسة على تدبير النقل في سياق مختلف عن السنوات السابقة، بعدما دخل خط الحافلات ذات المستوى العالي من الخدمة أمل واي حيز التشغيل، باعتباره أحد أبرز مشاريع التنقل الحضري بمدينة أكادير.
فوجود خط نقل عالي الجودة يفرض على المدبر المقبل ألا يتعامل مع الحافلات التقليدية كشبكة منفصلة، بل كجزء من منظومة متكاملة، تضمن سهولة الانتقال بين الخطوط وربط الأحياء والجماعات بمحطات أمل واي ومراكز الجذب الرئيسية.
وهنا يكمن أحد أكبر اختبارات العرض الفائز: هل سيتمكن من بناء شبكة متناسقة تقلل استعمال السيارات الخاصة وتمنح المواطن بديلا فعليا وموثوقا؟ أم ستظل الخطوط تعمل بمنطق مشتت لا يحقق التحول المطلوب في تنقل المدينة؟
أكادير، التي تستعد لتعزيز مكانتها السياحية والرياضية وتستقبل ضغطا متزايدا على الطرق والمحاور الحضرية، تحتاج إلى نقل عمومي قادر على تخفيف الازدحام وتحسين جودة الهواء وتسهيل حركة السكان والزوار، لا إلى مجرد استمرار الخدمة بأدنى شروطها.
بعد قبول ملفي سوبراتور وألزا سيتي، تتجه الأنظار إلى لجنة التقييم التي ستفحص العروض التقنية والمالية قبل الحسم في هوية المدبر الجديد.
وتبقى الشفافية في هذه المرحلة مطلبا أساسيا، لأن الصفقة ترتبط بخدمة عمومية يومية وبعقد يمتد لعشر سنوات. ومن حق الرأي العام المحلي أن يعرف المعايير التي سيُبنى عليها الاختيار: جودة التشغيل، حجم الموارد البشرية، الصيانة، مؤشرات الانتظام، الخدمات الرقمية، شروط السلامة، والتزامات الشركة تجاه المرتفقين.
كما أن المواطن يحتاج، بعد إعلان الفائز، إلى معرفة التزامات قابلة للمتابعة والمحاسبة: كم هو الحد الأقصى للانتظار؟ كيف ستتم معالجة الشكايات؟ ما آليات مراقبة النظافة والصيانة؟ وما الجزاءات التي ستطبق إذا تراجعت جودة الخدمة؟
فالصفقة الناجحة ليست التي تعلن فائزها فقط، بل التي تجعل المرتفق قادرا على قياس مستوى الخدمة ومساءلة المدبر والسلطة المفوضة عند الإخلال بالالتزامات.
تعيش أكادير الكبير تحولا عمرانيا وسياحيا متسارعا، وتتقدم مشاريع كبرى في الطرق والتجهيزات والمرافق الرياضية والثقافية. لكن صورة المدينة لا تكتمل دون نقل عمومي يحفظ كرامة المواطن ويمنحه خدمة منتظمة ونظيفة وآمنة.
لذلك، لا ينبغي اختزال المنافسة بين سوبراتور وألزا سيتي في سؤال: من سيربح الصفقة؟ السؤال الأهم هو: ماذا سيربح المواطن؟
سيكون الفوز الحقيقي حين يصل الطالب إلى جامعته دون انتظار مرهق، ويصل العامل إلى عمله في الموعد، ويتمكن الزائر من التنقل داخل المدينة بسهولة، وتجد الجماعات المحيطة ربطا منتظما لا يعزلها عن مركز أكادير.
إلى حين الإعلان الرسمي عن نتيجة التقييم، تبقى المنافسة مفتوحة بين العرضين المؤهلين. أما ساكنة أكادير الكبير، فانتظارها لا يتعلق باسم الشركة فقط، بل بنقل عمومي جديد يطوي سنوات الشكايات ويواكب مدينة تريد أن تتحرك بسرعة نحو المستقبل.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
