حين يصبح الحصاد عبئًا جميلاً: الفلاح المعاشي بين كلفة الموسم وبركة الأرض

في الوقت الذي تكتسي فيه الحقول المغربية حلتها الذهبية معلنة حلول موسم الحصاد، يعود إلى الواجهة ذلك الوجه الصامت من المغرب العميق؛ وجه الفلاح المعاشي الذي لا يزال، رغم كل التحولات الاقتصادية والاجتماعية، متمسكًا بأرضه كتمسك الجذور بتربة الوطن.

لقد حمل الموسم الفلاحي الحالي بشائر خير بعد سنوات طبعتها قسوة الجفاف وتوالي الأزمات المناخية، فتنفست الأرض الصعداء واستبشر الفلاحون بمحاصيل واعدة أعادت الحياة إلى السهول والهضاب والجبال. غير أن فرحة الحصاد، في كثير من المناطق النائية، لا تخلو من مرارة الحسابات الصعبة. فتكاليف الحصاد والنقل واليد العاملة واستئجار المعدات أصبحت تثقل كاهل الفلاح البسيط إلى درجة قد تجعل العائد المالي للمحصول أقل من حجم النفقات المبذولة في إنتاجه وجنيه.

ومع ذلك، فإن الفلاح المعاشي لا ينظر إلى أرضه بعين المستثمر الذي يقيس كل شيء بلغة الأرقام وحدها. فهو يدرك أن للأرض حسابًا آخر لا يظهر في دفاتر التجارة ولا في مؤشرات الأسواق. إنها أرض تمنح القوت للأسرة، والعلف للماشية، وما يتبقى منها يكون رزقًا للطير والحيوان. إنها دورة حياة متكاملة تجعل من الزراعة أكثر من مجرد نشاط اقتصادي، وتجعل من الحقل فضاءً للعيش والتكافل والاستمرار.

في القرى البعيدة، حيث ما تزال الفلاحة مرتبطة بإيقاع الطبيعة وتقاليد الأجداد، لا يمثل الحصاد نهاية موسم فحسب، بل هو مناسبة تتجدد فيها قيم التضامن والتعاون والأمل. هناك، لا تزال الأرض تحظى بمكانة خاصة في الوجدان الجماعي، باعتبارها رمزًا للكرامة والاستقلال والانتماء. ولذلك يستمر الفلاح في زرعها وخدمتها حتى عندما لا تكون الأرباح مشجعة، لأن العلاقة بينه وبين أرضه ليست علاقة منفعة عابرة، بل علاقة وفاء متبادل عمرها أجيال.

إن الفلاحة المعاشية، رغم بساطتها، تؤدي أدوارًا حيوية لا يمكن اختزالها في حجم الإنتاج أو القيمة التجارية للمحاصيل. فهي تسهم في استقرار الأسر القروية، وتحافظ على التوازن الاجتماعي في العالم القروي، وتحد من نزيف الهجرة نحو المدن، كما تشكل خط دفاع أول في مواجهة الهشاشة والفقر. ومن هنا فإن دعم هذا النمط من الفلاحة ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو استثمار في الاستقرار المجتمعي وفي استدامة المجال القروي.

وإذا كان الموسم الحالي قد أعاد الأمل إلى آلاف الأسر الفلاحية، فإن ذلك يجب أن يشكل فرصة لإعادة التفكير في السبل الكفيلة بتخفيف أعباء الإنتاج والحصاد عن صغار الفلاحين، وتمكينهم من الاستفادة العادلة من ثمار جهودهم. فنجاح الموسم لا يقاس فقط بما تنتجه الأرض، وإنما أيضًا بما يحققه من كرامة وأمن اقتصادي لمن يخدمونها ويصبرون عليها طوال العام.

ويبقى الفلاح المغربي، في نهاية المطاف، عنوانًا للصبر والتشبث بالأرض. وبين كلفة الحصاد وبركة الزرع، يواصل أداء رسالته النبيلة في صمت، مؤمنًا بأن الخير الذي تمنحه الأرض لا يُقاس دائمًا بما يُباع في الأسواق، بل بما يزرعه من حياة في النفوس، وما يتركه من أثر في الإنسان والطبيعة على حد سواء.

في موسم الحصاد، لا ينبغي أن نرى السنابل وحدها، بل أن نرى أيضًا الأيادي التي سهرت عليها، والوجوه التي انتظرت نضجها، والقلوب التي ما زالت تؤمن بأن الأرض، مهما اشتدت الصعاب، تبقى مصدر الخير والبركة والعطاء.

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ 9 ساعات
منذ 16 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
هسبريس منذ 9 ساعات
أشطاري 24 منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 15 ساعة
هسبريس منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 4 ساعات
أشطاري 24 منذ 6 ساعات