ورقة تأطيرية: في سوسيولوجيا القيم ضمن مشروع خطة تسديد التبليغ

تروم هذه الورقة التأطيرية مقاربة "مشروع خطة تسديد التبليغ" من منظور سوسيولوجي مقاصدي، يهدف إلى الانتقال بالخطاب الديني من نمطه السردي الوعظي التقليدي إلى إطار معرفي وعملي يسهم في هندسة الفضاء العام وتخليق الحياة العامة. وتطرح الورقة تفكيكاً بنيوياً لكيفية تحويل القيم المجردة إلى موجهات سلوكية ملموسة، متخذة من "قيمة الوطنية" نموذجاً تطبيقياً يعيد تعريف التدين باعتباره ممارسة مواطنة تعبدية طوعية. كما تسلط الورقة الضوء على تقاطع المشروع مع مفاهيم التنمية الحديثة من خلال أبعاد "الحياة الطيبة" الثلاثة: الأمن، والصحة، وقوت اليوم؛ مبرزةً أهمية تفعيل سلطة أخلاقيات المهنة وتكامل سلطتي الأخلاق والقانون لتحقيق إسعاد المرتفق والرضى النفسي. وتخلص الورقة إلى رسم معالم النسيج المؤسساتي المغربي القائم على مرجعية العلماء ورعاية إمارة المؤمنين، كصمام أمان لضمان جودة العيش المشترك ومواكبة الحركية العمرانية والتنموية المعاصرة.

الكلمات المفتاحية: خطة تسديد التبليغ؛ سوسيولوجيا القيم؛ الفضاء العام؛ المواطنة؛ أخلاقيات المهنة؛الحياة الطيبة؛ جودة الحياة.

تمهيد:

يستند "مشروع خطة تسديد التبليغ" في جوهره المقاصدي إلى مأسسة "الخطاب الديني الجامع" باعتباره آلية لتخليق الحياة العامة داخل الفضاء العام، مما يعكس تقريب التدين من الدين مع ما يعقب ذلكم من خفض كلفة الحياة على الفرد والمجتمع والدولة وذلك بالسعي إلى تخفيض أرقام الظواهر والسلوكيات المجتمعية كما رصدتها مؤسسات ذات الاختصاص وتلقتها أخرى ذات الخبرة المجالية.

ويأتي المشروع للتركيز على بعث وإحياء القيم المثلى والأخلاق الفضلى من خلال الاستناد إلى تأصيل تلكم القيم والدعوة لتنزيلها عبر تدخلات ميدانية مستهدفا كتلى جماهيرية متهيأة عاطفيا ووجدانيا للتلقي الديني عبر المواقع ونقط من الواقع.

هذا، ولا ينحصر هذا التوجه _التخاطب الديني من منظور مرجعية القيم _في بعد السردية الوعظية فحسب، بل يتجاوز ذلكم إلى بناء نسق سوسيولوجي يعيد تعريف علاقة الفرد بالدين انطلاقا من تدينه وسلوكياته داخل المجال العام، مستندا إلى مرجعية القيم الدينية والوطنية بوصفها إطارا ناظما للسلوك المدني.

وفي هذا السياق، سيتم التركيز على نماذج من القيم المجتمعية وفق منظور "خطة تسديد التبليغ".

1 _القيم باعتبارها موجهات سلوكية: الوطنية نموذجا

لا تُقرأ "الوطنية" داخل هذا المشروع؛ مشروع خطة تسديد التبليغ، وقد خصص لها ما يفوق من عشر خطب الجمعة، واكبتها مواعظ غطت الزمن الديني لسياق ورود الكلام عن هذه القيمة ،باعتبارها-الوطنية_ مجرد شعار عاطفي فحسب ،بل بكونها بنية سيكولوجية واجتماعية تترجم المنطوق الشرعي إلى ممارسات مواطنة مدنية يومية .

إن الانتقال من "القيم المجردة؛ تصورات " إلى "السلوكيات المسؤولة والمواطنة داخل الفضاء العام"؛ مشاريع سلوكية آمنة، يمثل النقلة النوعية في مشروع الخطة؛ حيث يسهم التوجيه والخطاب الديني في إقناع المتلقين وتحفيزهم على تحويل الالتزام الأخلاقي إلى ممارسة مدنية طوعية ذات بعد تعبدي؛ أي سعي المرء للرقي بوطنيته إلى مقام التعبد لما ينتج عن هذه القناعة من نفع على الذات والوحدة المجتمعية التي تتحرك في فضاء عام تحركا مدنيا .

2 _إشكالية الفضاء العام: مجال تجسيد القيم المجتمعية

يتقاطع "مشروع خطة تسديد التبليغ" مع ما تدعو إليه أخلاقيات تدبير الفضاء العام، من خلال تقديم المفهوم القرآني لـــ"الحياة الطيبة"، أو ما يعبر عنه بــــ "جودة الحياة"، باعتباره مقصدا غائيا للضبط الاجتماعي والديني عبر مسار قيمي وأخلاقي متصل ومتفصل.

إن هذا التقاطع بين غايات المشروع ـ كما ترسمت في تنظيراته ووثائقه المرجعية الاسترشادية ضمن بيداغوجيا التبليغ، استنادا إلى المنهج النبوي في التوجيه والإرشاد الديني ـ وبين ما تدعو إليه النصوص الوضعية المؤطرة للحياة العامة من أخلاق وقيم مدنية وحضارية ،بروح فلسفية ومنظور تربوي وسند اجتماعي، لا يمثل توازيا بسيطا، بل يعكس تفاعلا كيميائيا وظيفيا متكاملا، حيث يعمل الخطاب الديني على تذليل التوترات القائمة في الفضاءات العامة عبر ترسيخ قيم المسؤولية الفردية والمجتمعية، مما يعزز من تماسك البنيان الاجتماعي وفق القواعد الوطنية الناظمة في مجتمع متنوع ووحدوي مرتكزات تدبيره المدني تتأسس وفق المنظور الشرعي والتشريعي والثقافي والحضاري ومجلى هذا في محققات التدين .

3_محقَّقَات الوطنية: العمران الديني والتنمية الوطنية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا».

سنن الترمذي 4/574. رقم الحديث بمنصة محمد السادس للحديث النبوي الشريف 6860.

عباد الله؛

في هذا الحديث النبوي الشريف يبين الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قيمة ثلاثة أمور هي رأس سعادة الإنسان: الأمن والصحة وقوت اليوم.

فهذه الأمور الثلاثة هي مجامع سعادة الإنسان، ومراغبه في الدنيا."

فإذن؛ الأمن مطلب المرء في الفضاء العام وهو مكفول للنظام العام وفق تشريعات ووفق أخلاقيات مؤطرة له، وهو قيمة ينشدها المواطنون ويسهمون في تحقيقها واستدامتها.

أما الصحة فمنشودة كل عضو مجتمعي ومنها الصحة النفسية _وهي مرتكز مفهوم "جودة الحياة" وفق سنن التوازن الأسري من منظور الالتزام بالنظافة وتتبع إرشادات ونصائح الخبراء في المجال.

وأما القوت اليومي فكل يسعى في تحصيل رزقه من خلال مهنته؛ مع تفعيل سلطة أخلاقيات المهنة الشرعية منها والتشريعية مستحضرا سلطة القانون وسلطة الاخلاق ومقصد العطاء والبذل ومنحى الإسعاد للمرتفق بحيث يخلص فيها ويتقنها تعبدا لله تلقاء ثواب جزيل منه سبحانه وتعالى وفرحا بها وشكرا لله على توفيقه للمرء في الإتقان لعمله بما يتحقق لديه من الرضى النفسي المنتج لإراحة ضميره عقب أدائه اللزوم كما منه ملزوم.

فرأس سعادة الإنسان: الأمن والصحة وقوت اليوم، وفي شأنها يسعى المرء المسؤول والمواطن النبيه في جمع مظانها في سلوك وطني ومدني مما يسهم في العمران والتنمية الوطنية مما ينعكس إيجابا ولزوما على محيط كل فرد في بيته ومع أسرته الصغرى وهم لبنة في الجماعة الكبرى بجامع المسؤولية وبدافع الوطنية باعتبارها قيمة دينية في تأصيلها، ومجتمعية في تطبيقها تفصيلها.

خلاصة:

يُشكل هذا المشروع-مشروع خطة تسديد التبليغ - إطاراً مرجعيا متماسكاً يربط بين "أصول التبليغ وقواعده ومقاصده" و"متطلبات التدبير المواطن المسؤول"، في استحضار بيئة التخاطب الديني النبوي، وما بعده حتى يوم الناس هذا صلة واصلة في شهود التبليغ واستمراره في الأمة بواسطة العلماء ومن في حكمهم من المأذون لهم في التبليغ وبرعاية الأمراء حيث يتمفصل الخطاب الديني مع ضرورات وحاجات الفضاء العام، لا بوصفه سلطة مراقبة، بل بوصفه إطاراً مرجعياً يضمن جودة العيش المشترك من أجل تجويد الحياة العامة في مجتمع يعرف حركية تنموية وعمرانية حديثة يواكبها نقاش عام يسوده العرفان للمؤسسات بدورها وجهودها في تنفيذ التزاماتها وعهودها وللأفراد كل من جانبه في غرس فسيلة القيم المواطنة والأخلاق الفاضلة لبث السلوكيات الماثلة.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 16 ساعة
هسبريس منذ 13 ساعة
آش نيوز منذ 15 ساعة
Le12.ma منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 20 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 10 ساعات