خلال العامين الماضيين، تركزت معظم المكاسب الاستثمارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية، وعلى رأسها الشركات المنتجة لمعالجات الرسوميات والذاكرة المستخدمة في تدريب وتشغيل النماذج المتقدمة.
لكن مع ارتفاع تقييمات هذه الشركات بشكل كبير، بدأ المستثمرون في البحث عن فرص جديدة يمكن أن تمثل «الموجة الثانية» من طفرة الذكاء الاصطناعي.
ويرى محللون أن السوق بدأ ينتقل تدريجياً من التركيز على الرقائق نفسها إلى دراسة البنية التحتية الأوسع التي تجعل تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي ممكناً على نطاق واسع، وهو ما يفتح الباب أمام قطاعات جديدة قد تستفيد من النمو المستمر للإنفاق التقني العالمي.
الاختناق الحقيقي لم يعد في المعالجات
مع توسع استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي، أصبحت مراكز البيانات تضم مئات الآلاف من المعالجات المتخصصة. إلا أن تشغيل هذه الأنظمة لا يعتمد على المعالجات وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى شبكات اتصال فائقة السرعة لنقل كميات هائلة من البيانات بين الخوادم ووحدات المعالجة.
الصين تسعى لتجاوز أميركا بـ 295 مليار دولار لتطوير الذكاء الاصطناعي
هذا الواقع دفع المستثمرين إلى التركيز على قطاع الاتصالات البصرية أو ما يعرف بتقنيات «الفوتونيات»، التي تستخدم الضوء بدلاً من الإشارات الكهربائية لنقل البيانات داخل مراكز البيانات العملاقة. ويعتقد خبراء أن هذا القطاع قد يصبح المستفيد الأكبر من المرحلة المقبلة في سباق الذكاء الاصطناعي.
الألياف الضوئية والفوتونيات
تواجه شركات الذكاء الاصطناعي تحدياً متزايداً يتمثل في نقل البيانات بسرعة وكفاءة بين المعالجات والخوادم. ومع ازدياد أحجام النماذج وتوسع عمليات التدريب والاستدلال، أصبحت البنية التحتية الخاصة بالاتصالات الضوئية عنصراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه.
وتشير التقديرات إلى أن استخدام الحلول البصرية يتيح نقل البيانات بسرعات أعلى مع استهلاك أقل للطاقة وإنتاج حرارة أقل مقارنة بالحلول التقليدية المعتمدة على الأسلاك النحاسية. ولهذا السبب بدأت أسهم الشركات العاملة في هذا المجال تجذب اهتمام المستثمرين باعتبارها أحد أهم الرهانات المستقبلية في قطاع الذكاء الاصطناعي.
طفرة الطلب على الذكاء الاصطناعي تدفع صادرات الصين إلى الارتفاع
وقد حققت بعض الشركات المتخصصة في البنية التحتية البصرية مكاسب قوية خلال الأشهر الماضية، ما يعكس اقتناع الأسواق بأن المرحلة المقبلة لن تعتمد فقط على إنتاج المزيد من الرقائق، بل على تحسين قدرة تلك الرقائق على التواصل والعمل ضمن شبكات متكاملة.
مراكز البيانات تتحول إلى محور الاقتصاد الرقمي
جانب آخر يلفت انتباه المستثمرين يتمثل في الطفرة غير المسبوقة في بناء مراكز البيانات الجديدة. فشركات التكنولوجيا الكبرى تواصل ضخ مئات المليارات من الدولارات لتوسيع قدراتها الحاسوبية، في ظل الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي السحابية.
وتشير تقديرات مؤسسات استثمارية إلى أن الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا الكبرى قد يصل إلى نحو 650 مليار دولار خلال عام 2026 فقط، وهو رقم يعكس حجم المنافسة على تأمين البنية التحتية اللازمة للجيل المقبل من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، لم تعد شركات مراكز البيانات مجرد مزودي خدمات تقنية، بل أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة النمو الاقتصادي العالمي، نظراً لدورها في تشغيل الخدمات السحابية والتطبيقات الذكية ومنصات الحوسبة المتقدمة.
ألمانيا تعتزم إنشاء معهد لأمن الذكاء الاصطناعي
الطاقة والتبريد
كلما ازدادت قدرات الحوسبة، ارتفع استهلاك الطاقة الكهربائية وازدادت الحاجة إلى أنظمة تبريد أكثر كفاءة. ولهذا السبب بدأ المستثمرون أيضاً في دراسة الشركات العاملة في مجالات الطاقة، وإدارة الحرارة، والتبريد السائل، باعتبارها قطاعات قد تستفيد مباشرة من توسع مراكز البيانات حول العالم.
ويؤكد محللون أن الطلب على الكهرباء والبنية التحتية للطاقة قد يصبح أحد أهم العوامل المؤثرة في نمو قطاع الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع ظهور مشاريع مراكز بيانات عملاقة تستهلك كميات من الطاقة تعادل استهلاك مدن كاملة.
من الاستثمار في الرقائق إلى الاستثمار في النظام البيئي الكامل
تكشف التطورات الأخيرة أن سوق الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة أكثر نضجاً. فبعد المكاسب الكبيرة التي حققتها شركات الرقائق والذاكرة، بدأ المستثمرون ينظرون إلى النظام البيئي المتكامل الذي يدعم تشغيل هذه التكنولوجيا.
توقعات بارتفاع «ديون الذكاء الاصطناعي» إلى 570 مليار دولار في 2026
وبينما تظل الرقائق الإلكترونية حجر الأساس للثورة الحالية، فإن الموجة الاستثمارية المقبلة قد تتركز في قطاعات الاتصالات البصرية، والبنية التحتية لمراكز البيانات، والطاقة، وأنظمة التبريد. فكلما توسعت تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ازدادت أهمية هذه المكونات الداعمة، ما يجعلها مرشحة لتكون الوجهة التالية لرؤوس الأموال الباحثة عن النمو في عصر الذكاء الاصطناعي.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
