إذا كانت الدول العظمى، في الفترات الاستعمارية التي تعاقبت على مصير العالم الحديث، تفرض قوتها باحتلال الأراضي، والاستيلاء على المواد الأولية، واستعباد الشعوب وإذلالها، والهيمنة على طرق التجارة والتبادل، وهي أدوار ما يزال دونالد ترامب يحنّ إلى القيام بها، كما فعل أثناء الهجوم على فنزويلا واعتقال رئيسها والاستيلاء على نفطها؛ ولا يتورع عن التعبير عن رغبته في احتلال جزيرة “غرينلاند” واستغلال خيراتها؛ وشن حرب على إيران طمعًا في تغيير نظام حكمها والتمكن من مواردها، في إطار عملية استدراج ورّطه فيها مجرم الحرب نتنياهو، انطلاقًا من العمى العقائدي الذي يحركه، والالتزام المبدئي بالدعم الشامل الذي يوفره للاحتلال الصهيوني للبلدان العربية؛ إذا كان الأمر على هذا النحو، فإن البشرية دخلت في “باراديغم” مختلف جذريًا، باعتبار أن استراتيجيات المقاولات الرقمية في وادي السيليكون، واعتمادًا على منطق “استعماري” مغاير، تقوم على بناء قوتها ومنصاتها بواسطة التقاط معلومات الناس ومعطياتهم، وترصد سلوكاتهم واختياراتهم، وتحرص على تجميعها واستثمارها بالطرق التي تجني بها أرباحًا خيالية.
لقد أسست الحكومة الأمريكية “السيليكون فالي” في أربعينيات القرن الماضي، ووضعت لها قواعد تقضي بابتكار كل ما من شأنه تعزيز المقومات العسكرية وتوفير أسلحة متفوقة لتأمين الدفاع القومي الأمريكي. لكن تنوع الشركات المنشأة مع الزمن، وتعدد مجالات الاكتشافات التكنولوجية، من الحاسوب إلى الهواتف الذكية، جعل هذه الشركات “تنحرف” عن المهام التي أُنشئ من أجلها وادي السيليكون، حسب أليكس كارب. ومعلوم أن شركة “بلانتير تكنولوجيز”، التي أسسها كل من بيتر ثيل وأليكس كارب سنة 2003، ساهم في تمويل عملياتها الأولى كل من البنتاغون والجيش الإسرائيلي؛ وهي الآن تُعتبر أكبر شركة تبيع نماذجها للترصد والتجسس والمراقبة والأسلحة المستقلة ذاتيًا. فضلًا عن الأولوية المطلقة التي تعطيها للحاجات العسكرية والتجسسية لوزارة الحرب الأمريكية ووكالات الاستخبارات والجيش الإسرائيلي، تتهافت على خدماتها الأنظمة الاستبدادية، كما الدول التي تُعتبر ديمقراطية، حيث وقعت أجهزة الاستخبارات الفرنسية، وغيرها من البلدان، تعاقدات لاستعمال خدماتها.
ولا شك أن الدول ومسؤوليها لا يتعاملون بسذاجة مع هذه المقاولات، لكن تفويض خدمات وطنية وتسليمها للأجنبي يطرح علامات استفهام كبرى حول السيادة وحدودها. لذلك لا يفهم المختصون الفرنسيون كيف تلتجئ أجهزة استخبارات بلادهم إلى خدمات “بلانتير” التجسسية، في حين أن ألمانيا تتعامل، على هذا الصعيد، مع شركة فرنسية (“شاب-فيزيون”)، وأن منظمة الحلف الأطلسي، إضافة إلى ما توفره لها “بلانتير” من خدمات، بدأت في استخدام تكنولوجيات شركة “ميسترال” الفرنسية.
أضحى هذا الموضوع قضية عمومية في أوروبا والعالم، طالما أن ثمة وعيًا متزايدًا بمخاطر الإيديولوجيا المعلنة التي يعمل كل من بيتر ثيل وألكساندر كارب على بثها في منصات “بلانتير” والذكاء الاصطناعي، وما يسمونه بـ”تكنولوجيا القطيعة” التي على نخب وادي السيليكون العمل على إنتاجها، وفي طليعتها الأسلحة المستقلة ذاتيًا لتوفير وسائل الدفاع الضرورية عن “الأمة الأمريكية” ومصالحها. فبيتر ثيل، كما أليكس كارب، تخرجا من قسم الفلسفة بجامعة ستانفورد؛ تأثر الأول بأفكار الفيلسوف الفرنسي روني جيرار، الذي كان يدرّس بالجامعة، وانبهر الثاني بمدرسة النظرية النقدية الألمانية، ولا يكف عن الاستشهاد بهابرماس. لبيتر ثيل كتب ومقالات، كما ألّف كارب السنة الفائتة كتابًا بعنوان “الجمهورية التكنولوجية”، ونشر في أبريل الماضي “بيانًا إيديولوجيًا” في الموقع الرسمي لـ”بلانتير” من 22 بندًا يوضح فيه التوجهات المبدئية التي يتعين على الذكاء الاصطناعي الالتزام بها، ومنها إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، واستبعاد أي آلية من آليات الممارسة الديمقراطية، والانخراط في ابتكار مقومات العالم الجديد.
واعتبارًا لما يشهده العالم من تحول شامل في القوة والهيمنة والتأثير بسبب تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، لم يتردد البابا ليون الرابع عشر، في رسالته الأخيرة “الإنسانية الرائعة” (Magnifica humanitas)، في الجهر بقلقه من سطوة الاحتكار وتجدد وسائل سياسات الموت، وتجميع معطيات الناس من طرف مقاولات خاصة، والسماح لها بتوظيفها لخدمة مصالح أصحابها. فإذا كانت فئات واسعة من مستعملي هذه المنصات لا تهتم بالكيفيات التي تشتغل بها هذه المقاولات على المعطيات وتجمعها وتستثمرها، فإن البابا يستنكر ما يمكن اعتباره اختيارًا ماليًا وسياسيًا وحضاريًا، يتحول بواسطته ما يؤسس المشترك في حياة الناس إلى “ملكية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
