إبراهيم الكندري يكتب - دراسة:عندما تصبح المعرفة محصورة في أشخاص: الخطر الصامت داخل الشركات الكبرى

تخيل أن موظفاً قديماً في إدارة تشغيلية يغيب فجأة، لا يبدو الأمر في البداية أزمة كبيرة، فالشركة تملك نظاماً تقنياً، ودليلاً للإجراءات، وهيكلاً تنظيمياً واضحاً، وربما أكثر من لجنة تتابع العمل، لكن بعد ساعات، تبدأ الأسئلة الصغيرة بالظهور، من يعرف تفاصيل هذا الاستثناء؟ لماذا نعامل هذا العميل بهذه الطريقة؟ كيف يتم تجاوز هذا الخلل المتكرر؟ من يتحدث مع الجهة الرقابية في هذه الحالة؟ ولماذا صُمم هذا الإجراء أصلاً بهذا الشكل؟

هنا تكتشف المؤسسة أن المشكلة ليست في غياب شخص فقط، بل في غياب جزء من ذاكرتها، فالخطر لا يظهر دائماً في تقارير المخاطر، ولا يأتي دائماً على شكل تعطل نظام أو أزمة مالية، أحياناً يكون جالساً بهدوء بزاوية رأس شخص واحد.

بين وجود الإجراءات وامتلاك المعرفة

كثير من المؤسسات تعتقد أنها تملك المعرفة لأنها تملك سياسات مكتوبة وأدلة إجراءات، لكن الإجراء المكتوب يجيب غالباً عن سؤال، ماذا يجب أن يحدث؟ أما المعرفة التشغيلية الحقيقية فتجيب عن سؤال أكثر أهمية، كيف يحدث ذلك فعلاً، ولماذا يحدث بهذه الطريقة؟

في الواقع العملي، لا تسير الأعمال دائماً كما تصفها الأدلة، هناك استثناءات، علاقات، حساسيات، سوابق، قرارات قديمة، وتفاصيل لا تظهر في الوثائق الرسمية، وقد يكون لدى المؤسسة دليل ممتاز، لكنه لا يشرح المنطق وراء الإجراء، ولا يبيّن كيف تتصرف الفرق عندما لا تنطبق الحالة على النص المكتوب.

لذلك، فالمشكلة ليست دائماً في غياب التوثيق، بل في غياب المعرفة التي تفسر التوثيق وتربطه بالواقع، ومن هنا تأتي أهمية تطوير أدوات عملية لحفظ المعرفة، لا بوصفها أرشيفاً جامداً، بل كوسائل تساعد الموظفين على فهم الإجراءات، وسياقها، والاستثناءات المرتبطة بها، فقد تكون الأداة خريطة قرار، أو سجلاً للأخطاء المتكررة، أو قاعدة معرفة داخلية، أو دليلاً يشرح (لماذا نفعل ذلك؟) وليس (ماذا نفعل؟) فقط.

لماذا يكون الخطر أكبر في الشركات الكبرى؟

في الشركات الصغيرة، يكون الاعتماد على الأفراد واضحاً ومكشوفاً، الجميع يعرف أن فلاناً هو من يعرف الحسابات، أو أن فلاناً هو من يدير علاقة المورد الرئيسي، أما في الشركات الكبرى، فيصبح الخطر أكبر لأنه مخفي خلف حجم المؤسسة.

فكثرة الإدارات تعطي انطباعاً بوجود بدائل، والأنظمة التقنية تعطي شعوراً بأن المعرفة موزعة، وطول عمر المؤسسة يجعلها تظن أن الممارسات حتماً لابد أن تكون معروفة للجميع، رغم أنها في الحقيقة لا يعرفها إلا عدد محدود من الأشخاص، ومع الوقت، يتحول الموظف القديم أو المدير الخبير إلى بديل غير معلن عن نظام معرفة مؤسسي.

في البنوك، وشركات الاتصالات، والشركات النفطية، لا ترتبط المعرفة التشغيلية بالكفاءة فقط، بل بالاستمرارية، والامتثال، والسلامة، والثقة، فغياب معرفة معينة قد لا يبطئ إجراءً داخلياً فحسب، بل قد يؤثر في عميل استراتيجي، أو خدمة حيوية، أو التزام رقابي، لذلك، فإن بناء أدوات لحصر المعرفة الحرجة يصبح جزءاً من إدارة المخاطر، وليس مجرد مبادرة تنظيمية جانبية.

أين تختبئ المعرفة الحرجة؟

المعرفة الحرجة لا تكون دائماً في الإدارة العليا، أحياناً تكون عند موظف فني يعرف نظاماً قديماً لا يزال يعمل، أو مشرف تشغيل يعرف سبب تكرار مشكلة معينة، أو مسؤول خدمة يعرف تاريخ عميل مهم، أو موظف امتثال يعرف خلفية إجراء لم يعد أحد يتذكر سبب وجوده.

تختبئ هذه المعرفة في علاقات كبار العملاء والموردين، وفي تفاصيل الأنظمة القديمة، وفي الاستثناءات التشغيلية، وفي طريقة التعامل مع الجهات الرقابية، وفي دروس أزمات سابقة لم تتحول إلى سياسات، وتختبئ أيضاً في القرارات اليومية المتعلقة بالتسعير، والائتمان، والصيانة، والعقود، وخدمة العملاء.

الأخطر أن المؤسسة قد لا تعرف أن هذه المعرفة حرجة إلا عندما تحتاجها ولا تجدها، ولهذا، فإن أول خطوة ليست شراء نظام جديد بالضرورة، بل تشخيص أماكن المعرفة غير المكتوبة، أين توجد؟ من يملكها؟ ما أثر غيابها؟ وكيف يمكن تحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام من قبل الآخرين؟

ثقافة (البطل) داخل المؤسسة

هناك مؤسسات تكافئ، من حيث لا تشعر، الشخص الذي يعرف كل شيء ويحل كل مشكلة بنفسه، هذا الموظف أو المدير يكون مفيداً جداً في.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الجريدة

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الجريدة

منذ 4 ساعات
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
صحيفة الأنباء الكويتية منذ ساعتين
صحيفة الأنباء الكويتية منذ 7 ساعات
صحيفة الجريدة منذ 22 ساعة
صحيفة السياسة منذ 6 ساعات
صحيفة القبس منذ 31 دقيقة
صحيفة الوطن الكويتية منذ 3 ساعات
صحيفة القبس منذ ساعتين
صحيفة الأنباء الكويتية منذ 8 ساعات