شرف الخصومة. يارا الحايك

يارا الحايك **

ليست الأخلاق الحقيقية ما تظهر في لحظات الرضا والانسجام، فالتعامل الحسن مع من يحبنا أو يوافقنا الرأي لا يحتاج إلى كثير من الجهد النفسي أو السمو الروحي، وإنما تتجلى القيمة الفعلية للأخلاق عندما تتعارض المصالح وتتباين المواقف وتشتد الخلافات. هناك، في المسافة الفاصلة بين الانفعال والقرار وبين الرغبة في الانتصار والالتزام بالحق، يولد المعدن الحقيقي للإنسان، وتنكشف درجة نضجه الفكري وعمق وعيه وقدرته على إدارة ذاته قبل إدارة أي موقف خارجي. ولهذا كان "شرف الخصومة" من أرفع المقامات الإنسانية؛ لأنه لا يقيس أخلاق الإنسان وهو مطمئن، بل إنما يقيسها وهو غاضب، ولا يختبر عدالته وهو راضٍ، بل وهو يواجه من يختلف معه أو ينازعه.

وتأتي القصة التي بين أيدينا لتقدم نموذجًا بالغ الثراء لهذا المعنى. فقد أراد أب أن يتحرى عن أخلاق شاب تقدم لخطبة ابنته، فأُشير عليه بالسؤال عنه بين الناس، إلا أن الخاطب طلب منه ألا يسأل أحد جيرانه لوجود قضية قائمة بينهما أمام المحكمة. كان ذلك الطلب منطقيًا في ظاهره، لأن الخصومة كثيرًا ما تجعل الناس أسرى لمشاعرهم، فيرون الآخر من خلال غضبهم لا من خلال الحقيقة. لكن الأب قرر أن يقصد هذا الجار تحديدًا، وكأن القدر أراد أن يكشف له درسًا أخلاقيًا يتجاوز حدود الحكاية إلى فضاء أوسع من التأمل في طبيعة الإنسان نفسه.

وحين سُئل الجار عن خصمه "وهو الشاب الخاطب"، لم يجعل من الخلاف عدسة ينظر من خلالها إلى شخصيته كلها، ولم يسمح للنزاع القائم أن يصادر ضميره أو يوجه شهادته، بل تحدث عنه بأفضل ما يعرفه فيه من صفات، وأثنى على أخلاقه وأمانته وشهامته، بل وصرح بأنه لو تقدم لخطبة ابنته لما تردد في قبوله. في تلك اللحظة لم يكن الرجل يدافع عن خصمه الشاب بقدر ما كان يدافع عن نفسه من السقوط الأخلاقي، لأن أعظم ما يمكن أن يخسره الإنسان ليس قضية أو نزاعًا، بل خسارة نزاهته الداخلية.

إن هذا الموقف يطرح سؤالًا فلسفيًا عميقًا: هل نرى الناس كما هم فعلًا، أم كما تملي علينا مشاعرنا تجاههم؟ كثير من البشر يخلطون بين الحقيقة والانطباع، وبين الحكم على الفعل والحكم على الشخص، فيتحول الخلاف الجزئي إلى إدانة كلية ويصبح الخصم في نظرهم خاليًا من كل فضيلة. أما النفوس الكبيرة فتدرك أن الإنسان ليس موقفًا واحدًا وأن الاختلاف لا يلغي الفضائل، وأن العدالة الحقيقية تبدأ عندما نستطيع الاعتراف بحقيقة الآخر رغم عدم اتفاقنا معه.

ومن هنا تتجلى قيمة "الفصل بين المسارات"، وهي قيمة لا تقتصر على النزاعات الفردية، إنما تمثل منهجًا متكاملًا في التفكير والحياة. فالقضية التي كانت منظورة أمام المحكمة بين الجار والشاب، كانت مسارًا قانونيًا له حيثياته وأدلته وإجراءاته، بينما تقييم الشاب من حيث أخلاقه وأهليته للزواج كان مسارًا مختلفًا تمامًا. الإنسان الناضج هو الذي يستطيع أن يمنع المسارات من التداخل، فلا يحمل خلافًا مهنيًا إلى علاقة اجتماعية ولا ينقل نزاعًا شخصيًا إلى حكم أخلاقي شامل، ولا يسمح لانفعال مؤقت بأن يتحول إلى رؤية دائمة. إن القدرة على "فصل المسارات" ليست مهارة ذهنية فحسب، بل هي تعبير عن توازن داخلي عميق، لأن العقل المتزن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
وكالة الأنباء العمانية منذ 8 ساعات
إذاعة الوصال منذ ساعة
وكالة الأنباء العمانية منذ 7 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 10 ساعات
صحيفة أثير الإلكترونية منذ ساعتين
صحيفة الرؤية العمانية منذ 13 ساعة
صحيفة الشبيبة منذ 8 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 10 ساعات