يطرح الواقع الاقتصادي الوطني العديد من التساؤلات حول الجدوى من استمرار قانون حرية الأسعار والمنافسة الذي جعل الأسواق في أيدي لوبيات اقتصادية و الشناقة الكبار و الفراقشية ، الذين يتحكمون في المحروقات، وأسواق الجملة، وقطاع اللحوم والدواجن، والتأمينات، والزيوت، والخضر.. حيث تنتشر الاتفاقات والتحالفات بين الفاعلين في السوق، وتفشي الممارسات غير المشروعة التي جعلت المنافسة لا أساس لها، وفارغة من محتواها ومجمدة بسبب جشع المنتجين والموزعين والفاعلين الاقتصاديين، الذين يرون في الأرباح الأولوية الكبرى، وليس الوازع الأخلاقي والالتزام القانوني بالحفاظ على المنافسة وفق قانون 104.12.
الرباط الأسبوع
في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي سامي أمين، أن النقاش حول إعادة النظر في قانون حرية الأسعار والمنافسة له أساس واقعي، لأن المغرب يعمل بالقانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، كما تم تغييره وتتميمه بالقانون 40.21، ومجلس المنافسة هو المؤسسة المكلفة بتتبع الاختلالات والممارسات المنافية للمنافسة، لكن ليس بمعنى العودة إلى التسعير الإداري الشامل، فالمطلوب هو جيل جديد من قانون المنافسة، حيث حرية الأسعار تبقى قاعدة، لكن مع رقابة أقوى على الأسواق المركزة، والمواد الأساسية، وسلاسل التوزيع، والهوامش غير المبررة، حيث يمكن القول أنه في أبريل 2026 ارتفع مؤشر الأسعار بـ 0.4 % شهريا، وارتفعت أسعار المحروقات بـ 21.8 % على أساس سنوي، وبالتالي، هذا يؤكد أن القدرة الشرائية لم تعد تتأثر فقط بالتضخم العام، بل بهيكلة الأسواق وقوة الوسطاء.
وأضاف نفس المتحدث، أنه ليست هناك ثغرات تسمح بالتواطؤ أو الاحتكار، فالقانون المغربي لا يسمح نظريا بالاتفاقات أو التواطؤات أو استغلال الوضعية المهيمنة، لكن الإشكال يوجد في الإثبات، وسرعة التدخل، وشفافية الهوامش، وتوفر البيانات القطاعية؛ ففي أسواق قليلة الفاعلين، قد لا نرى اتفاقا مكتوبا ، بل قد نرى سلوكا متوازيا من خلال أسعار تتحرك تقريبا بنفس الإيقاع، وهوامش جد متقاربة، وتمرير قريب وسريع للارتفاع وبطيء للانخفاض، وبالتالي، فالثغرة ليست قانونية، بل معلوماتية ورقابية وسلوكية، معتبرا أن الواقع المغربي لا يلغي حرية الأسعار، لكنه في المقابل يفرض حرية مؤطرة اجتماعيا، حيث أن السوق الحرة يحتاج ثلاثة شروط: تعدد الفاعلين، شفافية المعلومة، وقدرة المستهلك على الاختيار، وبالتالي، إذا غابت هذه الشروط تتحول الحرية من آلية كفاءة إلى آلية ضغط على المواطن، لذلك فالمطلوب ليس تسعير كل شيء، بل نحن في حاجة إلى آليات ذكية ومرقمنة تضبط الأسواق الحساسة، وتكسر الاحتكار، وتراقب الهوامش، وتنشر مؤشرات الأسعار والهوامش حسب القطاعات والجهات.
وبخصوص مراجعة القانون والعمل على تجويده، أوضح المتحدث ذاته أن المغرب لا يحتاج إلى دفن قانون حرية الأسعار، بل إلى تحديثه وتحويله من قانون منافسة كلاسيكي إلى قانون سيادة سوقية وحماية القدرة الشرائية، حيث أن سيناريو المنافسة الذكية هو السيناريو الذي تحتاجه السوق المغربية، من خلال قانون محدث، ومنصة وطنية لشفافية الأسعار، ورصد آني للهوامش، ثم عقوبات أسرع، وفتح القطاعات أمام فاعلين جدد، فهذا هو السيناريو الأقوى.
من جهته، يقول الخبير الاقتصادي إدريس الفينة، أن النقاش حول قانون حرية الأسعار والمنافسة هو نقاش سياسي تقف وراءه أطراف سياسية ليست مستقلة وليست لديها وجهة نظر دقيقة، بحيث لا توجد مقارنة حقيقية بين المغرب ودول عربية أخرى مشابهة لمعرفة مستوى الأسعار مع هذه البلدان، هل أكثر أم أقل؟ مضيفا أن الإشكال الحقيقي أننا لا ننطلق من منطلقات صحيحة، وليست لنا دراية بأسباب ارتفاع الأسعار، ومن أين جاء هذا الارتفاع، عبر تحليلات للخروج بخلاصات، لأن قضية الغلاء وعدم الغلاء مرتبطة أيضا بالسلوك الاستهلاكي للمغاربة والذي يتجاوز حدود المعقول، والتهافت على الأثمنة المرتفعة، بينما القاعدة الصحيحة، حسب وصية الناس القدامى، هي اقتناء المواد الرخيصة وترك الغالية.
وأوضح نفس المتحدث، أنه عند وضع القوانين لا يتم ضبطها بشكل جيد حتى لا يتم استغلالها، وهناك عدد من القوانين تتضمن ثغرات تسمح لبعض الفاعلين باستغلالها لكي يستفيدوا أكبر قدر ممكن ولا يتم احترام التزاماتهم، وهذا ما نراه في قطاع المحروقات من خلال الاطلاع على مستوى الشركات الكبرى المتخصصة في التوزيع داخل البورصة، حيث تظهر البيانات المصرح بها لدى اللجنة الوطنية لسوق الرساميل، أنهم يحققون نسبة أرباح عالية تفوق شركات مماثلة في بلدان أخرى تحقق نسبة أرباح ما بين 5 و10 %، وهي في حدود معقولة، بينما في المغرب نجد أن أرباح شركات المحروقات تصل لأكثر من 20 %، وهي نسب عالية وغير مقبولة في السوق، لا سيما وأنها شركات مستوردة فقط ولا تقوم بأي مجازفة وجميع الأرباح مضمونة ولا تتطلب الإنتاج أو أي شيء آخر، مشيرا إلى أن وزيرا سابقا للشباب والرياضة، تحول إلى مستثمر ورجل أعمال، سبق أن صرح لوسائل الإعلام بأنه يحقق نسبة أرباح صافية في حدود 26 %، وهي نسبة غير قانونية، رغم أنه يقوم باستيراد مواد أولية من الصين ودول أخرى ولا يقوم بعمل صناعي، الشيء الذي كان يتطلب من مجلس المنافسة التدخل والبحث في أسباب هذا الربح المرتفع.
ويرى الحسين اليماني، النقابي والكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، أن الدولة تخلت اليوم عن دورها في السوق الوطنية وتحولنا من الدولة التدخلية ربما إلى الدولة المتفرجة، بمعنى أنها تريد التنصل والانسحاب من مسؤوليتها في كل ما يتعلق بالمرافق العمومية وخدمة القضايا الاجتماعية والأساسية بالنسبة للمواطنين، وتتحول إلى دولة دركية مسؤولة فقط عن الأمن والضبط الاجتماعي، معتبرا أن هناك مجموعة من القوانين التي مررت في عهد حكومة أخنوش والتي توصف بالمجزرة التشريعية، من بينها قانون المنافسة الذي كان سابقا وتم تعديله لتكريس المزيد من التوجه نحو اقتصاد السوق، بناء على قاعدة التحرير لكل السلع والخدمات وتترك السوق يقوم بدوره ويفرض نفسه على المواطنين، بينما الدولة ليس لها الحق في التدخل، وهذا ما يصب في اتجاه خدمة اللوبيات المتحكمة، سواء الوطنية أو الدولية، والهدف ألا يكون هناك أي تسقيف لأرباحها وتظل مفتوحة بدعوى أن السوق هي التي ستقوم بتوازن الأسعار.
وأضاف نفس المتحدث، أن مجال الاقتصاد فيه الكثير من الريع والكثير من التحكم والاحتكار، وأضراره بارزة في جميع المواد التي تم تحريرها، على رأسها المحروقات والتشعبات التي وقعت، والخطير اليوم، أن الأحزاب الموالية تتوعد المواطنين بأنها ستمر لتحرير مواد أخرى، وهذا ما يردده بعض السياسيين من تحرير قادم للغاز والدقيق والسكر والكهرباء، معتبرا أن قانون حرية الأسعار والمنافسة يجب إيقافه، ولا بد من دراسته وتقييم أثاره التي تعد كارثية على الصعيد الاجتماعي والقدرة الشرائية للمغاربة، والمسألة واضحة في يد رئيس الحكومة الذي تعطيه المادة الثانية من القانون الحق في التدخل عبر مرسوم يقنن أي سلعة أو خدمة كيفما كان نوعها، من المواد المحررة إلى المواد المقننة أسعارها، بمعنى أن القانون هو الإطار العام، ولكن يمكن لرئيس الحكومة التصرف بمرسوم على أساس أي حاجة يعيد تقنينها، والدليل في ذلك قضية المحروقات التي قام عبد الإله بن كيران، خلال رئاسته للحكومة، بتحريرها وسحبها من لائحة المواد المقننة.
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي
