تتجه حكومة رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي إلى فتح واحد من أكبر الملفات الاقتصادية منذ عام 2003، عبر مشروع صندوق الطاقة والتنمية، الذي تريد من خلاله تحويل جزء من العائدات النفطية إلى مسار تمويلي طويل الأمد، يذهب نحو الكهرباء والبنى التحتية والمشاريع الإنتاجية، بدلاً من بقائه رهينة الإنفاق التشغيلي والأزمات المتكررة.
وكشف الزيدي، خلال حديثه مع شبكة سكاي نيوز، أن الحكومة ستبحث مع الجانب الأمريكي مشروع صندوق الطاقة والتنمية، الذي يبدأ من 500 ألف برميل يومياً وصولاً إلى مليوني برميل يومياً، وفق الظروف الاقتصادية والإنتاجية، وربما خارج قيود حصص أوبك، مبيناً أن حسابات الصندوق ستفتح في مؤسسات مصرفية أمريكية رصينة، وأن موارده ستوظف في الاتفاقيات مع الشركات الأمريكية، ومنها مشاريع الكهرباء والبنى التحتية.
3 عقود
وبحسب رؤية الحكومة، فإن تمويلات الصندوق قد تصل خلال ثلاثة عقود إلى نحو 400 مليار دولار، مع نمو تدريجي يرتبط بأداء المشاريع والشركات المنفذة، في خطوة تعكس توجهاً لتحويل النفط من مصدر للرواتب والإنفاق اليومي إلى أداة لإعادة بناء الدولة، خصوصاً أن العراق ما زال يعاني من فجوات واسعة في الكهرباء والخدمات والمشاريع الاستراتيجية.
ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية أوسع أعلنها الزيدي، تقوم على الانتقال من الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة إلى شراكة اقتصادية واستثمارية وتنموية، مع منح الأولوية للشركات الأمريكية الرصينة في قطاعات النفط والكهرباء والاتصالات والتكنولوجيا، إلى جانب مشاريع يجري بحثها مع شركات عالمية بينها شيفرون وهاليبرتون وHKN، بما يعزز قدرة العراق على استقطاب استثمارات طويلة الأمد.
بدوره، أكد الباحث في الشأن الاقتصادي عبدالسلام حسن أن أي مشروع يهدف إلى تحويل جزء من الإيرادات النفطية إلى صندوق تنموي طويل الأمد يمثل خطوة مهمة إذا ارتبط بإدارة مؤسسية ورقابة عالية، لأن الاقتصادات الريعية تحتاج إلى أدوات تحفظ الثروة وتمنع استنزافها في الإنفاق التشغيلي .
وأضاف حسن لـ عراق أوبزيرفر أن العراق يمتلك فرصة تاريخية للانتقال من الاعتماد الكامل على العائدات النفطية إلى بناء أصول اقتصادية مستدامة، عبر توجيه الموارد نحو مشاريع البنى التحتية والطاقة والصناعة والتنمية البشرية، بما يضمن حقوق الأجيال المقبلة ويعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات أسعار النفط .
وأوضح أن نجاح أي صندوق سيادي أو تنموي لا يقاس بحجم الأموال المخصصة له فقط، وإنما بآليات الحوكمة والشفافية واستقلالية الإدارة وقدرته على تحقيق عوائد اقتصادية حقيقية تخلق فرص عمل وتدعم القطاع الخاص، بدلاً من الاكتفاء بتمويل الإنفاق الحكومي التقليدي .
اعادة تعريف الاقتصاد
ويرى مراقبون أن أهمية المشروع لا تكمن في رقمه المالي فقط، بل في كونه محاولة لإعادة تعريف وظيفة النفط داخل الاقتصاد العراقي، بعد عقود من الحروب والحصار والإرهاب، وما تركته من تراجع في البنى التحتية واستنزاف للموارد، إذ تسعى الحكومة إلى استثمار هذه الموارد في بناء قاعدة اقتصادية أكثر صلابة وأقل هشاشة أمام تقلبات الأسواق.
كما أن ربط الصندوق بمشاريع إنتاجية وخدمية قد يمنح العراق فرصة لتقليل الاختناقات المزمنة في الكهرباء والطاقة والنقل، ويدفع باتجاه تشغيل الشركات العالمية ضمن عقود واضحة، شريطة أن تخضع جميع المسارات إلى رقابة مالية وقانونية تمنع تكرار تجارب الهدر والتلكؤ التي عطلت عشرات المشاريع خلال السنوات الماضية.
وبين الطموح الكبير والتحديات التنفيذية، تبدو حكومة الزيدي أمام اختبار اقتصادي مهم، فنجاح صندوق الطاقة والتنمية قد يحوله إلى رافعة تاريخية لإعمار العراق وحماية حقوق الأجيال المقبلة، أما تركه من دون حوكمة صارمة ورقابة فعلية فقد يفقده قيمته كفرصة إصلاحية نادرة، في بلد يمتلك ثروة نفطية ضخمة ويبحث منذ سنوات عن طريق آمن نحو اقتصاد منتج ومستدام.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر
