نعيش في زمن أصبحت فيه الكلمات أرخص من أن تُقاس بميزان الحقيقة، وأسرع من أن تُترجم إلى مواقف. زمن تتحول فيه القيم الراسخة إلى مجرد آراء متغيرة بحسب الظروف والمصالح. في المقابل، تُعلمنا التجارب الإنسانية أن الوفاء والأمانة والثبات هي المعادن الحقيقية التي لا يجب أن تهتز مهما بلغت المغريات أو تعقدت الحسابات. تُعلمنا أن المحبَّة الحقيقية ليست فقط ما يُقال على المنابر، ولا ما يُكتب في الرسائل والأشعار والأغاني، ولا ما يتردد على الألسنة من عبارات الإخلاص والتضحية والوفاء، لأن الكلمات، مهما بلغت بلاغتها، تبقى مجرد أصوات عابرة، ما لم تتحوّل إلى أفعال. تُعلمنا أن الوفاء الصادق يُقاس فقط بما يقدّمه الإنسان حين يصبح العطاء مكلّفاً، والوقوف إلى جانب الآخر مخاطرة، وحين يختار كثيرون الرحيل.
تُعلمنا أن صدق العلاقات يُختبر في لحظات الشدة، لا في مواسم النجاح، لأن الناس يجتمعون حول المنتصر، ويقتربون من صاحب النفوذ، ويُكثرون من الوعود حين تكون الظروف مريحة، لكن في الأزمات فقط تنكشف حقيقة الوجوه. ولعل الحكمة العربية القديمة اختصرت هذه الحقيقة بقولها: «يُعرف الصديق وقت الضيق»، في عبارة قصيرة، لكنها تحمل من المعاني ما تعجز عنه صفحات كاملة من التنظير الأخلاقي.
إنّ خيانة الأمانة ليست مجرد مفهوم نظري، بل هي سلوك يتكرر عبر التاريخ، ولعل النموذج الأبرز لها يتجسّد في «يهوذا الخائن» الذي باع سيده بأبخس الأثمان بعد أن قاسمه الخبز والحياة وأقسم له على الولاء. هذا السقوط الأخلاقي لا يختلف كثيراً عما نشهده في عالم اليوم. فالأزمات الحقيقية - سواء كانت شخصية أو جيوسياسية - لا تخلق الوفاء بل تكشفه.
نذكر هنا مثالاً آخر لما حدث في شتاء عام 1942، وأثناء حصار ستالينغراد في الحرب العالمية الثانية، حيث وجد آلاف الجنود أنفسهم محاصرين في ظروف قاسية من الجوع والبرد والقصف المتواصل. في تلك الأيام لم يَعُد للخطابات الحماسية أو الوعود الكبيرة أثر يذكر، فالذي صنع الفارق كان الجندي الذي اقتسم آخر قطعة خبز مع رفيقه، والمسعف الذي خاطر بحياته لإنقاذ مصاب، والرفيق الذي رفض أن يترك زميله وحيداً رغم أن بقاءه معه قد يكلفه حياته. لقد.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
