لم يكن محمد جمال، يتخيل أن الحقيبة التى حملها معه إلى أوزبكستان بحثًا عن بداية جديدة ستصبح شاهدة على واحدة من أصعب لحظات حياته، بعدما خرج من مصر برفقة ١٦ شابًا آخرين وهم يحملون حلمًا واحدًا؛ وظيفة مستقرة، وراتبًا بالدولار، ومستقبلًا أفضل بعيدًا عن ضغوط البحث عن فرصة عمل.
كانت تفاصيل الرحلة بالنسبة لهم تبدو كأنها الطريق الأقصر لتحقيق الحلم؛ عقد عمل ينتظرهم، وشركة تستقبلهم، وراتب يصل إلى ٨٠٠ دولار شهريًا، وفقًا لما تم إخبارهم به قبل السفر، لكن ما إن وطأت أقدامهم الأراضى الأوزبكستانية حتى تبدلت الصورة تمامًا، وتحول الحلم الذى دفعوا من أجله أموالهم إلى عملية نصب كبيرة وكابوس لم يجدوا له مخرجًا.
بدلًا من أن يجد محمد ورفاقه أبواب الشركة التي وُعدوا بالعمل بها، وجدوا أنفسهم في شوارع لا يعرفونها، يبحثون عن مكان يحميهم من قسوة الغربة، بعدما اكتشفوا عدم وجود وظائف حقيقية تنتظرهم، وأن العقود التي سافروا على أساسها لم تكن سوى أوراق بلا قيمة.
تحت ظل شجرة أنهكتها حرارة الشمس، جلس محمد وأصدقاؤه ينتظرون حلًا يعيدهم إلى مصر، بعدما أصبحت الأيام تمر عليهم وسط القلق والخوف من المجهول، في بلد لا يعرفون لغته ولا يملكون فيه مصدر دخل أو مأوى ثابتًا.
وبينما كان بعضهم يحاول التواصل مع الشخص الذي تولى إجراءات سفرهم لإعادتهم إلى القاهرة، فوجئوا بالتنصل من مسؤوليتهم، لتبدأ رحلة جديدة من البحث عن النجاة بدلًا من رحلة البحث عن العمل.
يقول محمد إنهم دفعوا مبالغ مالية كبيرة مقابل إجراءات السفر وعقود العمل، وبعد وصولهم إلى أوزبكستان فوجئوا بعدم وجود الوظائف التي تحدث عنها الوسيط، ليجدوا أنفسهم في الشارع دون عمل أو مكان إقامة، بينما أصبحت محاولاتهم للتواصل مع الشخص الذي قام بتسفيرهم بلا جدوى: "طلبنا منه يرجعنا مصر زي ما سفرنا.. لكنه تهرب منا"
فى التحقيق التالى، حاولت «الدستور» اختراق شبكات النصب باسم السفر إلى أوزبكستان، واستمعت إلى قصص الضحايا وكيف يتم خداعهم، وغير ذلك من التفاصيل. كانت أزمة محمد ورفاقه الخيط الذي قاد "الدستور" إلى عالم من الجروبات المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، والتي تحولت إلى ساحات لعرض فرص السفر والعمل في أوزبكستان.
من خلال متابعة عدد من الجروبات التي تحمل أسماء مرتبطة بالمصريين في أوزبكستان والسفر إليها، رصدت "الدستور" انتشار منشورات تعرض فرص عمل ورواتب بالدولار، إلى جانب أسئلة من شباب يستفسرون عن طريقة السفر والعمل هناك.
وفي المقابل، ظهرت عشرات التعليقات التي تحذر من التعامل مع بعض العروض غير الموثوقة، حيث تحدث بعض الأشخاص عن تجارب قالوا إنها انتهت بخسارة أموالهم وعدم الحصول على العمل الذي تم الاتفاق عليه.
بحسب روايات المتضررين، فإن الطريقة المتكررة في هذه الوقائع تبدأ بالإعلان عن فرص عمل خارج مصر، مع تقديم وعود بعقود رسمية ورواتب مرتفعة، وهو ما يدفع الباحثين عن فرصة للسفر إلى دفع مبالغ مالية مقابل إنهاء الإجراءات.
ويقول أصحاب هذه الشهادات إن المفاجأة تظهر عقب الوصول، حيث لا يجد البعض جهة العمل التي تم وعدهم بها، أو يجدون أنفسهم أمام ظروف مختلفة تمامًا عن الاتفاقات السابقة.
«الخارجية» للشباب: لا تنجرفوا خلف الإعلانات المضللة والوعود غير الواقعية
حذرت وزارة الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج من تعرض الشباب المصرى لعمليات احتيال عبر عقود عمل وهمية يتم الترويج لها من خلال الإنترنت أو عبر وسطاء غير موثوقين.
وأوضحت الوزارة، فى بيان، أنها تلقت بلاغات من عدد من الشباب المصريين تفيد بتضررهم جراء وقوعهم ضحايا لعقود عمل غير حقيقية، بعدما تم إيهامهم بوجود فرص عمل مجزية خارج البلاد، قبل اكتشاف عدم صحة تلك العروض.
وأكدت الوزارة ضرورة تحرى المواطنين الدقة والمصداقية عند التعامل مع أى عروض عمل خارجية، والتأكد من صحة العقود المقدمة لهم، إلى جانب استيفاء جميع الإجراءات القانونية المطلوبة قبل السفر.
وأشارت إلى وجود أنشطة غير قانونية تستغل رغبة الشباب فى السفر والعمل بالخارج، من خلال الترويج لفرص عمل وهمية لا تمت للواقع بصلة، وقد تمثل خطرًا على المواطنين الذين ينساقون وراء هذه الإعلانات دون التحقق من مصادرها.
ودعت الوزارة الشباب المصرى إلى عدم الانجراف وراء الإعلانات المضللة أو الوعود غير الواقعية، مؤكدة أهمية الاعتماد على الجهات الرسمية والقنوات الموثوقة عند البحث عن فرص العمل بالخارج.
وشددت على استمرار الوزارة فى تقديم أشكال الدعم القنصلى الممكنة للمواطنين المصريين فى الخارج، وفقًا للقوانين والاتفاقيات الدولية، مؤكدة أن الوعى والتحقق المسبق يمثلان خط الدفاع الأول لحماية الشباب من مخاطر عقود العمل الوهمية.
محامٍ: القانون يعاقب النصابين بالحبس ورد الأموال أكد محمد بركات، محامٍ، أن التحايل على المواطنين من خلال الترويج لعقود سفر أو فرص عمل وهمية يعتبر جريمة نصب وفقًا لقانون العقوبات، حال توافر أركان الجريمة وثبوت استخدام وسائل احتيالية للاستيلاء على أموال الضحايا.
وأوضح بركات أن المادة ٣٣٦ من قانون العقوبات تنص على معاقبة كل من استولى على أموال الغير باستخدام طرق احتيالية، أو من خلال انتحال اسم كاذب أو صفة غير صحيحة، أو التصرف فى أموال لا يملك حق التصرف فيها، بعقوبة الحبس، مع إمكانية إلزام المتهم برد الأموال والتعويض المدنى حال ثبوت الضرر.
وأشار إلى أن القانون لا يتضمن نصًا خاصًا بجريمة «النصب بدعوى السفر»، إلا أن هذه الوقائع تخضع للنصوص العامة الخاصة بجريمة النصب، إذا ثبت قيام المتهم باستخدام أساليب خداع لإيهام الضحية بوجود فرصة عمل أو عقد سفر حقيقى، ودفعه إلى تسليم أموال بناءً على هذا الوهم.
وأوضح أن أركان جريمة النصب فى هذه الحالات تتمثل فى استخدام وسائل احتيالية، وإيهام المجنى عليه بوجود فرصة سفر أو وظيفة غير حقيقية، ثم حمله على دفع الأموال، بحيث يكون الاستيلاء على المال نتيجة مباشرة لعملية الخداع.
وأضاف أن المسئولية الجنائية قد تمتد إلى جرائم أخرى حال ارتباط الواقعة بتزوير مستندات أو استخدام محررات مزورة أو انتحال صفة أو تكوين تشكيل عصابى، إذ تطبق العقوبات الخاصة بكل جريمة إلى جانب عقوبة النصب.
وفيما يتعلق بالإعلانات المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعى، ذكر أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعى للترويج لفرص عمل أو عقود سفر غير حقيقية، يعد وسيلة من وسائل الاحتيال فى جريمة النصب، وقد تنطبق أحكام قانون حماية المستهلك رقم ١٨١ لسنة ٢٠١٨ بشأن حظر الإعلانات المضللة التى تتضمن بيانات غير صحيحة أو تؤدى إلى خداع المستهلك.
ولفت إلى أنه فى حال ارتكاب هذه الجرائم عبر الإنترنت أو منصات التواصل الاجتماعى، فقد تنطبق أيضًا أحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨، متى توافرت الشروط القانونية اللازمة.
وحول الإجراءات التى يجب أن يتخذها المواطن حال تعرضه للنصب، نصح بسرعة التوجه إلى قسم الشرطة أو النيابة العامة وتقديم بلاغ مدعم بالأدلة، ومنها عقود السفر أو العمل، وإيصالات الدفع والتحويلات المالية، والمحادثات الإلكترونية، ورسائل الهاتف، وصور الإعلانات أو صفحات التواصل الاجتماعى.
ونوّه بأن المواطنين يمكنهم اللجوء إلى الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات أو مباحث الإنترنت فى حال جرت عملية الاحتيال عبر الوسائل الإلكترونية، مع ضرورة الحفاظ على الأدلة الرقمية، إضافة إلى إمكانية المطالبة برد الأموال والتعويض عن الأضرار الناتجة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية

