لم يعد اهتمام المستهلك مقتصرًا على واجهة العبوة، بل بات يمتد إلى قائمة المكونات بحثًا عن منتجات أكثر شفافية وبمكونات أبسط. ومع هذا التوجه تعيد "الملصقات النظيفة" تشكيل طرق تصنيع الأغذية وتسويقها وتنظيمها في منطقة الخليج

لم تعد قائمة المكونات مجرد تفصيل صغير على عبوة المنتج، بل أصبحت واحدة من أقوى أدوات المنافسة في قطاع الأغذية. ففي دول الخليج والعالم، بات المستهلكون يتجاوزون قراءة الجداول التقليدية للقيم الغذائية، ليدققوا في مكونات المنتجات نفسها، ويتجنبوا الإضافات الصناعية، ويبحثوا عن أطعمة تُصنع من مكونات بسيطة ومألوفة يسهل التعرف إليها وفهمها.

ومع انتقال مفهوم المنتجات ذات المكونات النظيفة (Clean Label)، من فئة المنتجات المتخصصة إلى التيار الاستهلاكي السائد، أصبح يعيد رسم ملامح تطوير المنتجات الغذائية، واستراتيجيات العلامات التجارية، وشدة المنافسة داخل القطاع.

ويُقصد بمفهوم "المنتجات ذات المكونات النظيفة" المنتجات التي تعتمد على قوائم مكونات مختصرة وواضحة، وتبتعد قدر الإمكان عن الألوان والنكهات والمواد الحافظة والمضافات الصناعية، مع استخدام مكونات طبيعية أو معروفة للمستهلك، بما يعزز الشفافية ويمنح المشترين ثقة أكبر فيما يتناولونه.

ويأتي هذا التحول مدفوعًا بتصاعد المخاوف الصحية عالميًا. فوفقًا لمنظمة منظمة الصحة العالمية، كان شخص واحد من كل ثمانية أشخاص حول العالم يعيش مع السمنة خلال عام 2022، فيما بلغ معدل زيادة الوزن بين البالغين 43%. وتبدو التحديات أكثر حدة في منطقة الخليج، إذ يصنف المكتب الإقليمي للمنظمة لشرق المتوسط كلًا من الإمارات، والسعودية، والكويت، والبحرين ضمن أكثر دول المنطقة التي ترتفع فيها معدلات زيادة الوزن والسمنة. كما تمثل الأمراض غير المعدية، مثل أمراض القلب والسكري والسرطان، ما يقرب من ثلثي الوفيات في المنطقة، وهو ما يدفع المستهلكين وصناع السياسات إلى إعطاء الأولوية للأنماط الغذائية الأكثر صحة.

ويتركز جانب كبير من هذا الاهتمام على الأغذية فائقة المعالجة (Ultra Processed Foods)، وهي منتجات غذائية تُصنع عبر عمليات تصنيع صناعية مكثفة، وتعتمد على مكونات مكررة، مثل الزيوت والنشويات والسكريات المكررة، إلى جانب مجموعة واسعة من الإضافات الغذائية، مثل المواد الحافظة، والمحليات الصناعية، ومحسنات النكهة، والمستحلبات، والملونات. وتشير تقديرات وكالات الصحة الفيدرالية الأميركية إلى أن هذه المنتجات تمثل نحو 70% من إجمالي الأغذية المعبأة المتداولة في الأسواق، كما توفر أكثر من 60% من السعرات الحرارية اليومية التي يستهلكها الأطفال.

ومع استمرار الجهات التنظيمية في العمل على وضع تعريف موحد ومعتمد للأغذية فائقة المعالجة، في ظل تزايد الأدلة التي تربط الإفراط في استهلاكها بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وداء السكري من النوع الثاني، وبعض أنواع السرطان، والسمنة، يتجه المستهلكون بصورة متزايدة إلى اختيار المنتجات التي تحتوي على قوائم مكونات أقصر وأكثر وضوحًا، باعتبارها مؤشرًا على البساطة والشفافية وجودة التصنيع.

المستهلك يعيد رسم السوق تؤكد شركات الأغذية العاملة في دول الخليج أن سلوك المستهلكين شهد تحولًا جذريًا خلال السنوات الخمس الماضية، إذ لم يعد قرار الشراء يعتمد فقط على السعر أو العلامة التجارية، بل أصبح يرتكز بصورة متزايدة على جودة المكونات ودرجة الشفافية في الإفصاح عنها.

ويقول رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي العالمي لشركة iD Fresh Food، بي سي مصطفى: "قبل خمس سنوات، كان العمر الافتراضي الطويل للمنتجات الغذائية يُنظر إليه باعتباره ميزة توفر الراحة للمستهلك. أما اليوم، فأصبح المتسوقون أكثر وعيًا وثقافة، ويدققون في طول قائمة المكونات، ويتحققون مما إذا كانت المكونات معروفة وسهلة الفهم، كما يلفتون الانتباه إلى وجود المواد الحافظة المخفية، والمستحلبات، والمثبتات الصناعية، والسكريات المضافة. لقد بدأوا يدركون أن الغذاء الحقيقي بطبيعته لا يدوم طويلًا، بل يتمتع بعمر صلاحية محدود".

وتبيع الشركة منتجات خالية من المواد الحافظة في كل من الهند ودول مجلس التعاون الخليجي، في إطار استراتيجية تستند إلى تقديم أغذية طازجة تعتمد على مكونات بسيطة وواضحة.

لكن تلبية هذا الطلب المتزايد لا تخلو من التحديات. ويوضح مصطفى في حديثه لـفوربس الشرق الأوسط: "حتى المواد الخام الأساسية في منظومة الصناعات الغذائية الحالية غالبًا ما تحتوي على مواد حافظة أو إضافات مخفية. لذلك نعمل عن قرب مع الموردين، وندقق في كل مكون نحصل عليه، وفي كثير من الأحيان نطلب منهم تطوير مكونات مخصصة تلبي معاييرنا الخاصة".

ويضيف أن الشركة تطبع قائمة المكونات على الواجهة الأمامية لعبواتها، بدلًا من الاكتفاء بوضعها على الجهة الخلفية، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل "وعدًا يوميًا ومرئيًا" للمستهلك، وتعكس التزامها الكامل بالشفافية وبناء الثقة مع العملاء.

ويرى مسؤولون في قطاع الأغذية أن هذا التحول لا تقوده تفضيلات المستهلكين وحدها، بل تدعمه أيضًا تشريعات أكثر صرامة في مختلف أنحاء المنطقة. ويقول المدير العام لشركة بركات الإماراتية للأغذية والمشروبات الطازجة، كينيث دكوستا: "أصبح المستهلكون يقرؤون الملصقات الغذائية بعناية أكبر، ويتساءلون عن طبيعة المكونات، ويمنحون صحتهم ورفاههم أولوية تفوق الشعارات التسويقية".

ويضيف أن هذا التوجه يتعزز بفضل الأطر التنظيمية الأكثر صرامة، والإرشادات الأكثر وضوحًا بشأن الادعاءات الغذائية، مثل عبارة "من دون سكر مضاف"، والإفصاح عن محتوى الكافيين، إلى جانب المبادرات الرامية إلى تعزيز شفافية المعلومات الغذائية على واجهة العبوة، مثل نظام "نوتري سكور" (Nutri-Score)، الذي يستخدم تصنيفًا مبسطًا بالألوان والحروف لمساعدة المستهلكين على تقييم الجودة الغذائية للمنتجات بسرعة وسهولة.

تشريعات تعزز الشفافية تواصل الحكومات في دول الخليج تشديد متطلبات الإفصاح عن المعلومات الغذائية، بالتزامن مع التوسع في تطبيق أنظمة الوسم الغذائي على الواجهة الأمامية للعبوات، في خطوة تستهدف مساعدة المستهلكين على اتخاذ قرارات غذائية أكثر وعيًا وصحة، وتعزيز الشفافية في قطاع الأغذية.

وشهدت أبوظبي إحدى أبرز هذه المبادرات، إذ أطلق كل من مجلس أبوظبي للجودة والمطابقة ومركز أبوظبي للصحة العامة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 نظام "نوتري مارك" (Nutri-Mark)، وهو أول نظام في المنطقة لتصنيف المنتجات الغذائية على الواجهة الأمامية للعبوة وفقًا لقيمتها الغذائية.

ويعتمد النظام، الذي يطبق بصورة طوعية في مرحلته الحالية، على تصنيف المنتجات من A إلى E، استنادًا إلى جودتها الغذائية، وشمل في بدايته فئات الزيوت، ومنتجات الألبان، والمشروبات، والمخبوزات، وأغذية الأطفال. كما صدرت الإرشادات الرسمية المنظمة لتطبيقه في مارس/ آذار 2025.

وشهد النظام توسعًا جديدًا خلال عام 2026، بعدما أُدمج في تطبيق TAMM، ما أتاح للمستهلكين مسح المنتجات باستخدام هواتفهم الذكية والاطلاع فورًا على تصنيفها الغذائي. ووفقًا لمجلس أبوظبي للجودة والمطابقة، فقد بادرت عدة شركات تصنيع عالمية بالفعل إلى إعادة صياغة بعض منتجاتها وتحسين مكوناتها بعد تقييمها ضمن نظام "نوتري مارك"، رغم أن تطبيقه لا يزال اختياريًا.

ويعتزم المجلس توسيع نطاق النظام تدريجيًا ليشمل جميع المنتجات الغذائية المتداولة في أبوظبي، مع سحب أي منتجات تحمل بيانات غذائية غير دقيقة أو مضللة.

ولا يقتصر التوجه نحو تعزيز الشفافية الغذائية على الإمارات، بل يمتد إلى مختلف دول مجلس التعاون الخليجي. ففي أبريل/ نيسان 2025، اعتمدت هيئة التقييس لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تحديثات جديدة على اللوائح المنظمة للبطاقات الغذائية، تضمنت متطلبات إلزامية للإفصاح عن العناصر الغذائية، والقيم المرجعية التي يستند إليها تقييمها، إضافة إلى توحيد متطلبات وضع البيانات الغذائية على المنتجات.

وبدأت دول الخليج تباعًا دمج هذه المعايير ضمن تشريعاتها الوطنية. ففي السعودية، ألزمت الهيئة العامة للغذاء والدواء المطاعم والمقاهي، منذ يوليو/ تموز 2025، بوضع رمز المملحة بجوار الأطباق مرتفعة الصوديوم، والإفصاح عن محتوى المشروبات من الكافيين، إلى جانب توضيح مقدار النشاط البدني اللازم لحرق السعرات الحرارية التي تحتوي عليها الوجبة، سواء في قوائم الطعام الورقية أو الرقمية. ويأتي ذلك استكمالًا للوائح الإفصاح عن السعرات الحرارية التي بدأ تطبيقها في المملكة منذ عام 2019.

تصحيح مفهوم الملصقات لا يعني حمل المنتج وصف "المكونات النظيفة" (Clean Label) بالضرورة أنه أكثر صحة. فقد يخلو المنتج من المواد الحافظة أو الإضافات الصناعية، لكنه في الوقت نفسه قد يحتوي على مستويات مرتفعة من الملح، أو الدهون المشبعة، أو السعرات الحرارية. ولهذا تؤكد المبادئ التوجيهية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية بشأن أنظمة الوسم الغذائي على واجهة العبوات، أن تقييم القيمة الغذائية للمنتجات يجب أن يستند إلى التركيب الغذائي، مثل محتوى الدهون والسكريات والصوديوم والألياف، وليس إلى قائمة المكونات وحدها. لذلك تتجه الجهات التنظيمية بصورة متزايدة إلى الجمع بين الإفصاح الواضح عن المكونات، وأنظمة التصنيف الغذائي التي تمنح المستهلك صورة أكثر شمولًا عن جودة المنتج.

ولا تزال الأدلة العلمية المتعلقة بهذا المجال قيد التطور. ففي بيان مشترك، أوضحت كل من وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية، وهيئة الغذاء والدواء الأميركية، ووزارة الزراعة الأميركية، أنه لا يوجد حتى الآن تعريف علمي موحد ومعتمد عالميًا لمفهوم الأغذية فائقة المعالجة، مشيرة إلى أن الأبحاث لا تزال مستمرة لفهم تأثيراتها الصحية على المدى الطويل بصورة أدق.

ولا يقتصر غياب المعايير الموحدة على هذا المفهوم، بل يشمل أيضًا المصطلحات التسويقية المتداولة على عبوات الأغذية. وقالت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في بيان أرسلته عبر البريد الإلكتروني إلى فوربس الشرق الأوسط: "لا تكتسب الشفافية قيمتها إلا إذا كانت قابلة للتحقق، وإلا فقد يتحول وصف المكونات النظيفة إلى إشارة مضللة للمستهلكين". وأضافت أن مصطلحات مثل "طبيعي"، و"المكونات النظيفة"، و"قليل المعالجة" قد توحي بفوائد صحية لا تستند دائمًا إلى معايير علمية موحدة أو تعريفات تنظيمية واضحة.

وفي الممارسة الطبية، يقول الأطباء في دول الخليج إنهم يلمسون انعكاسات تغير الأنماط الغذائية على صحة المرضى بصورة متزايدة. ويوضح استشاري أمراض الجهاز الهضمي والمناظير العلاجية في Mediclinic Parkview Hospital، مازن رسول الجابري: "نشهد في الإمارات ومنطقة الخليج ارتفاعًا مستمرًا في معدلات اضطرابات الجهاز الهضمي المرتبطة بالنظام.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من فوربس الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من فوربس الشرق الأوسط

منذ 8 ساعات
منذ 49 دقيقة
منذ 9 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 6 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 13 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 11 ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 4 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 5 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 4 ساعات