دخلتُ سوقاً عجيباً وكبيراً متسعاً لا تُعرض فيه السلع على الأرصفة ولا تتدلى بضائعه من واجهات المحلات بل تباع فيه القيم قطعة قطعة، كان الباعة كثراً، لكن بضاعتهم واحدة، فهذا يبيع حياءه، وذاك يعرض كرامته، وثالث يساوم على خصوصيته ورابع يلوح بما بقي من ستره منتظراً مزيداً من المشترين.
أما المشترون فليسوا حوله بل خلف شاشات مضيئة يصفقون بإعجاباتهم ويقذفون الهدايا الإلكترونية كما كان الناس قديماً يقذفون الدراهم إلى أصحاب الألعاب البهلوانية في الأسواق الشعبية.
اقتربت من أحد الباعة وسألته بكم تبيع هذه البضاعة؟ ابتسم وقال ليس لها سعر كلما نقص الحياء ارتفع الدخل.
حينها أدركت أنني لم أكن في سوق حقيقي، بل كنت أتجول في بعض البثوث المباشرة التي حولت الإنسان من صاحب رسالة إلى سلعة، ومن صانع أثر إلى صانع إثارة.
في المقال السابق تحدثنا عن القسم الأول من مخاطر البثوث المباشرة، وهو الإساءة إلى الآخرين والتشهير ونشر الإشاعات، وبث الكراهية بين الشعوب. أما اليوم فنقف أمام القسم الثاني، وهو الأخطر أثراً والأعمق جرحاً، لأنه لا يطعن فرداً بعينه، بل يطعن منظومة القيم كلها، ويتمثل في التعري واستعراض الأجساد طلباً للهدايا والدعم المالي.
قد يخطئ الإنسان في كلمة فيعتذر وقد يظلم غيره فيرجع عن ظلمه، لكن حين يصبح الجسد مشروعاً استثمارياً، والحياء عقبة في طريق الشهرة، فإن القضية لم تعد تصرفاً فردياً، بل تحولت إلى ثقافة تسوق وسوق تفتح أبوابه على مدار الساعة.
ومن أغرب مفارقات عصرنا أن بعض الناس لم يعد يسأل ماذا أقدم للناس، بل يسأل ماذا أخلع ليزداد عدد المتابعين؟
وكأن معايير النجاح انقلبت رأساً على عقب، فلم يعد العلم يجذب، ولا الإبداع يلفت ولا الفكرة العميقة تستحق الانتظار، بينما تستطيع لقطة واحدة تخدش الحياء أن تحقق من الانتشار في دقائق ما لا تحققه سنوات من العمل الجاد.
لقد اختزل النجاح عند البعض في عدد المشاهدات، واختزلت الكرامة في قيمة هدية إلكترونية تومض على الشاشة ثم تختفي،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
