د.عبدالله سرور الزعبي يكتب: الملك في الصين .. من طريق الحرير إلى فضاء الذكاء الاصطناعي: فرصة لبناء عقول المستقبل

بينما تتجه الأنظار إلى زيارة الدولة التي يقوم بها الملك عبدالله الثاني إلى الصين، تُستعاد قصة مشروع قُدّم قبل اثني عشر عامًا ولم يكتمل، لكنه ربما كان يحمل بذرة الإجابة عن سؤال يطرحه الأردن اليوم بإلحاح أكبر: كيف نبني اقتصادًا معرفيًا حقيقيًا في زمن الذكاء الاصطناعي؟ فالزيارة تأتي في توقيت إقليمي ودولي حساس، وفي لحظة يعيد فيها الأردن صياغة موقعه الاقتصادي والاستراتيجي، عبر سياسة توازن دقيقة بين تحالفاته التقليدية وانفتاحه المتنامي على بكين، لا بهدف استبدال شراكة بأخرى بل لتنويع الخيارات. وقد تجاوز التبادل التجاري بين البلدين العام الماضي 6.7 مليار دولار، وباتت الصين من أهم مصادر الاستيراد الأردني وشريكًا استثماريًا متزايد الحضور. لكن السؤال الأعمق ليس كم نستورد من الصين، بل ماذا نتعلم منها، وكيف ننقل العلاقة من التجارة إلى الاستثمار المشترك، ومن استيراد التكنولوجيا إلى إنتاجها وتطويرها.

في عام 2014 أبلغني وزير التعليم العالي آنذاك الدكتور أمين محمود برغبة ملكية في إنشاء جامعة أردنية صينية تقنية، وطلب إعداد مقترح متكامل لانشاء الجامعة. أُعدّ المقترح وقُدّم رسميًا بتاريخ 4/3/2014، ولاقى قبولًا واهتمامًا صينيًا وعُقدت اجتماعات لبحث التنفيذ، ثم توقف كل شيء. وتبيّن لاحقًا أن الخلاف لم يكن في الفكرة ولا التمويل ولا المناهج، بل في أن الموقع المختار للجامعة في الجيزة لم يلقَ قبولًا صينيًا. تفصيل إداري صغير كان كافيًا لوأد مشروع كان يمكن أن يضع الأردن قبل عقد على خارطة الشراكة التقنية مع أسرع اقتصاد صاعد في العالم، وهي مأساة أفكار كبيرة تُترك رهينة تفاصيل يمكن حلها ببساطة، ومواصلة الحوار أو نتيجة تباطؤ مؤسسي، كانت كافية لإجهاض مشروع استراتيجي كامل.

وما يجعل العودة إلى الفكرة أكثر إلحاحًا اليوم أن الصين نفسها لم تعد كما كانت عام 2014. فقد أعادت النظر جذريًا في خريطة تعليمها العالي، وربطت برامجها مباشرة بالتحولات التكنولوجية واحتياجات سوق العمل. ووفق بيانات وزارة التعليم الصينية، أُلغي أو عُلّق نحو 12,200 برنامج جامعي خلال 2021-2025 مقابل استحداث نحو 10,200 برنامج جديد. والأهم من الأرقام هو الاتجاه: الصين لا تتعامل مع الجامعة كمؤسسة ثابتة تحمي تخصصاتها، بل كمؤسسة يجب أن تتغير مع الاقتصاد. ولهذا اتجهت جامعاتها نحو الذكاء الاصطناعي والذكاء المتجسد وعلوم البيانات والحوسبة السحابية والكمية والروبوتات والطاقة الجديدة، مع دفع حكومي لمواءمة التخصصات مع التكنولوجيا الناشئة. و هذه ليست مسألة أكاديمية داخلية، بل إعادة هيكلة وطنية شاملة تعكس إدراكًا بأن مناهج الأمس لا تصنع اقتصاد الغد، وأن الجامعة التي لا تراجع برامجها قد تتحول إلى مصنع للبطالة المتعلمة، في عالم يتغير فيه سوق العمل كل ثلاث سنوات بينما تبقى الخطط جامدة لعقد كامل. فإذا كانت الصين بحجمها وبعدد جامعاتها، تعيد النظر في آلاف البرامج، فلماذا نستمر في تخريج آلاف الطلبة في تخصصات مشبعة لم تعد مطلوبة؟

وهنا أستعيد تجربة شخصية أخرى، ففي عام 2017 كنا قد اتخذنا قرار بإيقاف نحو مئة برنامج دبلوم وبكالوريوس لم يعد سوق العمل بحاجة إليها على الاطلاق، رغم المعارضة، وقوى الشد العكسي ومحاولات تشويه الحقائق، الا اننا كنا قد مضينا في، مع استحداث تخصصات جديدة رائدة بالتعاون مع جهات دولية، انطلاقًا من قناعة بأن دور الجامعة حماية مستقبل الطلبة لا التخصصات القائمة.

والفكرة المطروحة اليوم ليست عودة حرفية إلى مقترح 2014، بل نسخة جديدة تستوعب دروس العقد الأخير وتتجاوزه، لا "جامعة تقنية تقليدية"، بل "جامعة أردنية صينية تقنية رقمية" لا تُبنى حول "تخصصات الحاضر، وإنما حول مهن المستقبل"، ذات بنية أكاديمية، لا تنظر إلى الاعتماد الأكاديمي كشهادة صلاحية دائمة، بل قابلة للمراجعة المستمرة، تضيف تخصصًا عند الحاجة وتوقفه عند تراجع الطلب، مرتكزة على الذكاء الاصطناعي التطبيقي والروبوتات وعلوم البيانات والأمن السيبراني والحوسبة المتقدمة والطاقة الذكية والتصنيع الذكي وتقنيات المدن المستقبلية. والأهم من أسماء التخصصات هو النموذج ذاته: شراكة تشغيلية واستثمارية حقيقية تكون فيها الشركات الصينية جزءًا من منظومة الجامعة، تشارك في تصميم البرامج وتدريب الطلبة وإنشاء المختبرات واحتضان الشركات الناشئة وفتح قنوات التوظيف، بحوكمة ذكية ومرنة تمنع تكرار ما حدث عام 2014. عندها تصبح الجامعة قناة لنقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة، ومنصة لإنتاج شركات جديدة، ومختبرًا يربط الأردن بسلاسل القيمة العالمية.

وهذه الفكرة ليست جديدة كليًا على الأردن؛ ففي عام 2019، كنا قد تقدمنا بمقترح إنشاء كلية الذكاء الاصطناعي، تبناه وزير التعليم العالي آنذاك الدكتور وليد المعاني بموقف جريء بعد مكالمة هاتفية في منتصف الليل (وهو يراجع جدول اعمال مجلس التعليم العالي، وكنت وقتها رئيساً لجامعة البلقاء التطبيقية)، سبق كثيرًا من القيادات واصحاب التخصص، والتي كانت لا تزال ترى الذكاء الاصطناعي كتطبيق وترفًا أكاديميًا لا ضرورة استراتيجية. وهو تطبيق يعكس شيئًا أساسيًا: أحيانًا لا تحتاج الأفكار الجديدة إلى سنوات طويلة حتى تجد طريقها إلى المؤسسات، وإنما تحتاج مسؤولًا يدرك أن وظيفة القرار ليست فقط إدارة الحاضر، بل صناعة المستقبل.

وفي العام.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ ساعة
منذ 7 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 57 دقيقة
خبرني منذ 7 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 4 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 23 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 5 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 22 ساعة
قناة رؤيا منذ ساعة
جو ٢٤ منذ 3 ساعات