للأسف، تُتخذ اليوم قرارات تمسّ صميم اختصاصاتنا وحقوقنا ومستقبل أبنائنا أمام أعيننا، بينما يظل الأكاديميون والتربويون والاقتصاديون وعلماء الاجتماع بعيدين عن المشاركة الحقيقية في صنعها. والأغرب أن وزارة التربية والتعليم، وهي تتعامل مع قضية وطنية بحجم مستقبل جيل كامل، لا تفتح حوارًا جادًا وواسعًا مع أصحاب الاختصاص قبل اتخاذ قرارات مصيرية، ثم نكتشف آثارها بعد التطبيق، فتبدأ مرحلة التعديل والترقيع.
ما يحدث في نظام الثانوية العامة يثير أسئلة مشروعة: لماذا كل هذا الاستعجال في تغيير نظام يرتبط بمستقبل الطلبة؟ ولماذا يُطبَّق النظام ثم تبدأ دراسة مشكلاته ومراجعته بعد أن يقع الضرر؟ القرارات التربوية ليست مجالًا للتجربة والخطأ؛ لأن ثمن الخطأ هنا لا تدفعه مؤسسة، بل يدفعه طالب وأسرة ومستقبل جيل كامل.
أجيال من الأطباء والمهندسين والوزراء والأكاديميين والخبراء درسوا في ظل نظام العلمي والأدبي، واليوم هم من خيرة الكفاءات في وطننا. فما المشكلة الجوهرية التي كان يعاني منها هذا النظام حتى يُلغى ويُستبدل بنظام المسارات بهذه الصورة؟ ولماذا لم يكن تطوير النظام القائم ومعالجة جوانب القصور فيه خيارًا، بدل الانتقال إلى نظام يحاصر الطالب مبكرًا داخل مسار أو حقل يحدد إلى درجة كبيرة خياراته الجامعية اللاحقة؟
الأخطر من ذلك أن الطالب يُطلب منه اختيار مساره وفق ميوله ورغباته، ثم يُفاجأ لاحقًا بأن عدد المقاعد الجامعية المتاحة في تخصصات ذلك المسار محدود. وهنا يبرز السؤال البديهي: أين ذهبت رغبة الطالب التي بُني عليها اختيار المسار أصلًا؟
لنفترض أن طالبًا اختار مسارًا يؤهله لدراسة هندسة الحاسوب، وحقق معدلًا مرتفعًا، لكنه لم يحصل على مقعد بسبب محدودية المقاعد. ماذا يفعل؟ هل يُجبر على دراسة تخصص لا يرغبه لمجرد أنه يقع ضمن المسار المتاح له؟ وإذا رضخ للأمر الواقع وقرر تغيير رغبته ودراسة إدارة الأعمال أو الاقتصاد أو المحاسبة، فلماذا يُجبر على العودة إلى دراسة مواد أو متطلبات جديدة حتى يستطيع تغيير اتجاهه؟
نحن نتحدث عن شباب في بداية حياتهم، وليس عن ملفات إدارية يمكن نقلها من خانة إلى أخرى.
كما أن اختيار التخصص في عمر مبكر ليس قرارًا نهائيًا بالضرورة. فكثير من الطلبة لا يكتشفون حقيقة ميولهم وقدراتهم إلا بعد دخول الجامعة. خذوا كلية الطب مثالًا: كم من طالب حلم بدراسة الطب، ثم بعد التحاقه به اكتشف أنه لا يستطيع نفسيًا التعامل مع المرض أو الموت أو رؤية الدم، أو اكتشف ببساطة أن ميوله الحقيقية في مجال آخر؟ في النظام المرن يستطيع إعادة التفكير في مستقبله والتحول إلى تخصص مختلف، أما في نظام المسارات فقد يجد نفسه محاصرًا داخل دائرة التخصصات الصحية التي لم يعد يرغب في دراستها.
فهل يُعقل أن يتحول اختيار طالب في السابعة عشرة من عمره إلى حكم يلاحقه في مستقبله الجامعي؟
وهناك جانب آخر يمس العدالة وتكافؤ الفرص؛ فتعقيد نظام الثانوية العامة الأردنية قد يدفع بعض الأسر القادرة ماديًا إلى تدريس أبنائها خارج الأردن أو في أنظمة أجنبية داخل المملكة، ثم يعود هؤلاء بمعدلات ومعادلات مرتفعة لينافسوا على مقاعد الجامعات الأردنية، ولو ضمن نسبة محددة. المشكلة ليست في هؤلاء الطلبة، بل في عدالة منظومة تجعل الطالب الأردني يخضع لنظام أكثر صعوبة وتقييدًا، بينما تتيح القدرة المالية لغيره طريقًا مختلفًا وأكثر مرونة للوصول إلى المقعد الجامعي. فهل يُعقل أن تتحول القدرة المادية للأسرة إلى ميزة تعليمية، وأن يصبح الالتزام بنظام الثانوية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
