لم تعد الفجيرة تظهر في أزمة هرمز بوصفها منفذاً إماراتياً بديلاً فقط، بل كموقع يُعاد عنده ترتيب جزء من تجارة النفط الخليجي قبل وصوله إلى آسيا. فعندما تتردد الناقلات والمشترون في دخول منطقة الخطر، تصبح نقطة استلام الشحنة وتخزينها ونقلها بين السفن جزءاً من قرار بيع النفط نفسه.
وأفادت رويترز بأن شركتي «كوسكو لشحن الطاقة» و«تشاينا ميرشانتس إنرجي شيبنغ»، وهما من أكبر شركات النقل الصينية الحكومية، علّقتا منذ أواخر يوليو إرسال ناقلات عبر مضيق هرمز وباب المندب، واتجهتا إلى ترتيبات تشمل نقل الشحنات بين السفن قرب الفجيرة وفي خليج عُمان. ويعكس ذلك تحوطاً متزايداً من المشترين وناقلات النفط إزاء مسارات الشحن الأكثر حساسية في المنطقة.
ولم يعد هذا المسار مقتصراً على خام الإمارات. إذ ناقشت أرامكو، وفق رويترز، مع مصافٍ آسيوية توريد خامي «العربي المتوسط» و«العربي الثقيل» لشحنات سبتمبر عبر عمليات نقل بحري من سفينة إلى سفينة قبالة الفجيرة.
«دي بي ورلد» تطور محطتين جديدتين في الفجيرة بامتياز يمتد 50 عاماً
ليس إجراءً استثنائياً
يرى الخبير الاقتصادي محمد القمزي أن النقل من سفينة إلى سفينة ليس ممارسة استثنائية؛ فهو يُستخدم عالمياً لتجميع الشحنات وتقسيمها وإعادة توجيهها بحسب العقود والوجهات وقدرات السفن والموانئ.
لكن ما تغير في الفجيرة هو حجم النشاط ووضوح دوره بفعل اضطراب هرمز. فقد انتقل من خدمة ملاحية معتادة إلى حلقة أكثر حضوراً في سلسلة إمداد الخام المتجه إلى الأسواق الآسيوية.
ويقول القمزي: إن المستثمرين والمشترين، ولا سيما في آسيا، قد يعيدون تقييم مخاطر الاعتماد على مسار واحد. لذلك، قد يحتفظ بعضهم بجزء من التخزين والتعاملات خارج المضيق حتى بعد تحسن الملاحة، إذا أثبتت الفجيرة كفاءة تشغيلية وكلفة تنافسية.
ولا تقتصر القيمة الاقتصادية على رسوم الميناء، وفق القمزي، بل تمتد إلى التخزين وإعادة التصدير وتموين السفن والخدمات البحرية والتأمين.
أي أن المستفيد ليس الرصيف وحده، بل شبكة الخدمات المتصلة بالشحنة قبل تسليمها للمشتري النهائي.
تدفقات إماراتية قياسية تقفز بصادرات النفط الخليجية في يونيو
حدود البديل
لكن هذا الدور له حدود واضحة. فهناك فرق بين إيجاد نقطة آمنة لإعادة ترتيب الشحنة خارج المضيق، وبين إيجاد بديل قادر على نقل إنتاج المنطقة كله بعيداً عنه.
يشدد المختص في شؤون الطاقة عصام الطواري على أن التحدي لا يرتبط فقط برغبة المشتري في استلام النفط خارج الخليج، بل بقدرة المنتجين على إخراج الخام من داخل الخليج أساساً.
ويؤكد الطواري في تصريحات لـ "إرم بزنس" أن دول مثل قطر والكويت والعراق تعتمد بدرجات متفاوتة على المرور عبر هرمز، ولا تستطيع نقل كامل إنتاجها عبر مسارات بديلة.
وحتى خطوط الأنابيب القائمة لا تقدم حلاً شاملاً بسبب طاقاتها المحدودة، وارتباط بعض الخيارات بالمرور عبر دول أخرى، وما يرافق ذلك من اتفاقيات وكلف نقل وتشغيل.
لذلك، فإن التسليم خارج المضيق قد يخفف المخاطر، لكنه لا يتحوّل إلى بديل كامل من دون استثمارات رأسمالية كبيرة في خطوط الأنابيب وموانئ التصدير واتفاقات إقليمية؛ وهي عملية قد تستغرق، بحسب الطواري، بين ثلاث وأربع سنوات على الأقل.
سفينة شحن راسية في ميناء الفجيرة الإماراتي يوم 13 مايو 2019.
وهنا تظهر خصوصية الإمارات فخط أنابيب حبشان الفجيرة يملك طاقة تصميمية تقارب 1.8 مليون برميل يومياً؛ ما يتيح تصدير جزء من خام أبوظبي من الساحل الشرقي بعيداً عن هرمز لكنه لا يحوّل الفجيرة إلى بديل مطلق لكل تدفقات النفط الخليجية.
اختبار ما بعد الأزمة
تكشف الأزمة أن قيمة الفجيرة لم تُبنَ خلالها، بل ظهرت أهميتها لأن بنيتها الأساسية كانت جاهزة قبلها: خط أنابيب، ومرافئ، وخزانات، ومناطق انتظار، وشبكة خدمات نفطية وبحرية على خليج عُمان.
لكن هذه الجاهزية لا تعني أن الفجيرة أصبحت مركز تسعير جديداً للنفط الخليجي. فمركز التسعير يحتاج إلى تدفقات مستدامة وشفافة، وسيولة تجارية كبيرة، وعقود مرجعية تتبناها شركات الإنتاج والمشترون.
ما يحدث الآن هو انتقال جزء من الثقل التشغيلي لتجارة الخام إلى خارج المضيق، وليس انتقالاً كاملاً لسوق النفط نفسها. وهذا انتقال مهم؛ لأنه يضيف مرونة إلى منظومة التسليم، لكنه لا يلغي الاختناق الجغرافي الذي يمثله هرمز لكثير من صادرات المنطقة.
عودة رأس تنورة.. هل تعافت إمدادات النفط الخليجية فعلاً؟
ويتفق الخبراء على أن الرهان ليس أن تحل الفجيرة محل هرمز، بل أن تكرّس نفسها خياراً موثوقاً عندما لا يعود المرور عبر المضيق مريحاً للمشتري أو الناقل.
فإذا استمر المشترون الآسيويون في استخدام التخزين والنقل بين السفن في خليج عُمان بعد انحسار التوتر، ستتحول الأزمة إلى فرصة لتعزيز أعمال الخدمات البحرية والطاقة في الفجيرة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

