يتجه سوق العمل في قطاع البناء والتشييد السعودي إلى نمط أكثر ارتباطاً بحجم الأعمال الفعلية، بعد عامين من التوسع القوي في التوظيف، إذ تباطأت وتيرة نمو العمالة خلال 2026 بالتزامن مع إعادة ترتيب الإنفاق على المشاريع العملاقة وتحول الشركات من التوظيف الاستباقي إلى تعزيز فرقها وفق العقود الممنوحة والتمويل المتاح ومراحل التنفيذ.
وبحسب تقرير نشره موقع AGBI، تراجع توجّه شركات المقاولات والتطوير إلى بناء فرق عمل كبيرة استعداداً للطلب المتوقع من المشاريع العملاقة، وهي ممارسة اتسعت خلال عامي 2024 و2025 عندما دفعت ضخامة محفظة المشاريع الشركات إلى زيادة طاقتها التشغيلية مسبقاً.
وقال ناثان كيرني، المدير العام لشركة التوظيف «إكزكيوتيف سيرش» (Executive Search)، إن الشركات كانت قبل عام أو عامين توسع فرقها قبل ظهور الطلب الفعلي، استناداً إلى حجم المشاريع المخطط لها، إلا أن هذا النهج أصبح أقل حضوراً في السوق حالياً.
ارتفاع الرقم القياسي لتكاليف البناء في السعودية 2.3% خلال يوليو
تباطؤ نمو العمالة وانخفاض المعدلات مقارنة بالأعوام السابقة
تعكس بيانات «الهيئة السعودية للمقاولين» التحول بوضوح، إذ بلغ عدد العاملين المسجلين في نشاط البناء والتشييد 365,562 عاملاً خلال الربع الأول من 2026، بزيادة 6% مقارنة مع 345,005 عاملين في 2025.
وتقل هذه الوتيرة بفارق كبير عن معدلات التوسع المسجلة خلال العامين السابقين، عندما نما عدد العاملين 32% في 2025، بعد قفزة بلغت 41% في 2024، ما يشير إلى انتقال القطاع من مرحلة بناء سريع للقدرات البشرية إلى وتيرة توظيف أكثر اعتدالاً.
ويظهر المسار نفسه عند احتساب مختلف فئات العاملين، بما يشمل المهندسين والفنيين، إذ انخفض معدل نمو العمالة إلى 8% في الربع الأول من العام الجاري، بعدما اقترب من 20% في كل من العامين السابقين.
ولا يعني تباطؤ التوظيف توقف الضغوط على تكلفة العمالة. فقد ارتفع مؤشر تعويضات العاملين في أنشطة البناء 6.5% على أساس سنوي في يونيو، وفق بيانات «الهيئة العامة للإحصاء»، وإن بقي دون معدل الزيادة البالغ 9% على مستوى الاقتصاد السعودي.
ووصف كيرني سوق الوظائف بأنه لا يزال نشطاً، لكنه أصبح «أكثر انتقائية بكثير»، مع تشدد الشركات في إضافة وظائف جديدة وربط قراراتها باحتياجات تنفيذية أكثر وضوحاً.
عدد من رافعات البناء في منطقة الدرعية، في العاصمة السعودية الرياض، في 2 نوفمبر 2023.
إعادة ترتيب الإنفاق وتغير استراتيجيات «صندوق الاستثمارات»
يواكب تغير سياسة التوظيف تحولاً أوسع في طريقة توجيه رأس المال نحو المشاريع السعودية، خصوصاً مع استراتيجية «صندوق الاستثمارات العامة» للفترة 2026-2030، التي لم تتضمن ذكراً لمشروعي «ذا لاين» (The Line) و«تروجينا» (Trojena)، وهما من أبرز مشاريع «نيوم» (NEOM)، في مقابل تأكيد دور متنامٍ للقطاع الخاص.
وتقوم المقاربة الجديدة للصندوق على ضخ رأس المال بصورة انتقائية لتأسيس المشاريع بالحجم المطلوب، وخفض مخاطر مراحلها الأولى، وإيجاد طلب قادر على استقطاب استثمارات إضافية من القطاع الخاص.
يأتي ذلك بالتزامن مع خفض ميزانيات بعض مشاريع «نيوم» بنسب تصل إلى 60%، فيما يُتوقع تراجع الإنفاق الرأسمالي لـ«صندوق الاستثمارات العامة» بنحو 15% خلال العام الجاري، وفق (AGBI).
ويترجم هذا التحول إلى سوق العمل عبر تقليص الحاجة إلى الاحتفاظ بطاقات بشرية كبيرة انتظاراً لانطلاق المشاريع. ويرى كيرني أن افتراض تقدم جميع المشاريع العملاقة بأقصى وتيرة وفي الوقت نفسه لم يعد قائماً كما كان في السابق، ما يدفع الشركات إلى مواءمة التوظيف بصورة أدق مع جداول التنفيذ.
المنافسة المحتدمة على المهارات المتخصصة وفجوات السوق
لا يسري تباطؤ التوظيف بالدرجة نفسها على جميع فئات العمالة، إذ لا تزال المشاريع الجاري تنفيذها تواجه نقصاً في المهارات المتخصصة.
وقالت شركة «ستونهافن» (Stonehaven) للاستشارات المتخصصة في قطاع الإنشاءات، ومقرها دبي، في تقرير حديث إن المشاريع العملاقة التي تستمر في التنفيذ تتنافس على مجموعة محدودة من أصحاب الخبرات، ما يبقي الضغوط مرتفعة في بعض التخصصات رغم تباطؤ النمو الإجمالي للعمالة.
ووفق الشركة، تمثل المشاريع العملاقة المحلية حالياً المصدر الرئيسي للضغط على سوق الكفاءات، مع تنافس «نيوم» و«البحر الأحمر» و«بوابة الدرعية» و«القدية» على قاعدة واحدة من المتخصصين.
وتتركز فجوات المهارات، بحسب «ستونهافن»، في أصحاب الخبرة بالأعمال الميكانيكية والكهربائية والسباكة، إضافة إلى مشرفي المواقع والمتخصصين في حصر الكميات، وهي وظائف ترتبط مباشرة بقدرة الشركات على تحويل العقود الممنوحة إلى أعمال منفذة ضمن الجداول الزمنية المحددة.
رؤية السعودية 2030: بين طموح القفزات الكبرى وحدود الواقع
نمو قياسي للعقود الممنوحة يخالف مسار نمو العمالة
في مقابل تباطؤ نمو العمالة، واصل سوق العقود تسجيل توسع قوي. وأظهرت بيانات «الهيئة السعودية للمقاولين» تسجيل عقود إنشاءات بقيمة 111 مليار ريال، نحو 30 مليار دولار، بين يناير ويوليو 2026، بزيادة تقارب 60% على أساس سنوي.
وتعزز بيانات «ميد بروجكتس» (MEED Projects) هذا الاتجاه، إذ تجاوزت قيمة العقود التي تمت ترسيتها في السعودية خلال يونيو أربعة أمثال قيمتها في الشهر نفسه من العام الماضي.
ويبرز التباين بين المسارين تحولاً مهماً في ديناميكيات القطاع؛ فارتفاع قيمة العقود بالتزامن مع تباطؤ زيادة العمالة يعني أن الشركات أصبحت أقل استعداداً لتحمل تكلفة توظيف مبكر اعتماداً على حجم المشروعات المعلنة، وأكثر ميلاً إلى إضافة الكفاءات بعد تأمين العقود ووضوح التمويل ومواعيد التنفيذ.
كما تتسع قاعدة الطلب الإنشائي خارج المشاريع العملاقة التي استحوذت على الجزء الأكبر من الاهتمام خلال السنوات الماضية، مع انتقال جانب أكبر من النشاط إلى قطاعات ومشاريع متعددة.
وقال كيرني إن السوق يشهد اهتماماً متزايداً بمشاريع الرياض والإسكان والنقل والمرافق والطاقة والتطوير متعدد الاستخدامات والبنية التحتية الكبرى، بالتوازي مع توسع مشاركة القطاع الخاص.
ربط التوظيف بالتنفيذ وتأثيرات المتغيرات الإقليمية
يعيد هذا التحول توزيع الطلب داخل سوق البناء بدلاً من إلغائه، إذ تتوسع فرص شركات المقاولات والهندسة عبر البنية التحتية الحضرية والإسكان والنقل والطاقة والمرافق والتطوير العقاري، في الوقت الذي تخضع فيه بعض المشاريع العملاقة لإعادة ضبط في نطاقها أو وتيرة تنفيذها.
في الوقت نفسه، أضافت الحرب مزيداً من الحذر إلى قرارات الشركات المتعلقة بالعمالة، لكنها لم تكن العامل الرئيسي وراء تباطؤ التوظيف، وفق كيرني، الذي قال إن السوق لم يشهد توقفاً مفاجئاً في التعيينات نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.
وأوضح أن الشركات لا تزال بحاجة إلى العمالة عندما يكون المشروع ممولاً والعقد ممنوحاً والتنفيذ مطلوباً، إلا أن الحرب عززت اتجاهاً كان قائماً بالفعل نحو تقليل المخاطر المرتبطة بالتوسع في أعداد الموظفين.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

