د. بني هاني يكتب : حين يبدأ الطوفان قبل أن ينزل المطر

كتب - عبدالرزاق بني هاني يتقطع قلبي خوفاً وحسرة عندما أقرأ سورة نوح. وهذه السورة ليست قصة عابرة عن قوم عصوا نبيهم، ثم انتهت حكايتهم بالماء والطوفان. ومن يقرأها بهذه الطريقة يفوّت جانباً بالغ العمق من دلالتها الإنسانية؛ ففي ثنايا السورة مشهد كامل لانهيار الإنسان قبل انهيار العمران؛ مشهد يبدأ من رفض الحقيقة، ويمر بالاستكبار، وعبادة المصالح، واتباع أصحاب النفوذ، وينتهي بمجتمع لم يعد الفساد فيه مجرد انحراف فردي، بل أصبح بنيةً تحمي نفسها بنفسها. ولذلك فإن الطوفان لم يكن، في المعنى الأعمق، بداية النهاية، بل كان النهاية المرئية لمسار طويل من الانهيار الداخلي. وهنا تكمن خطورة السورة بالنسبة إلى عصرنا. فهي لا تضعنا أمام سؤال ماذا حدث لقوم نوح؟ بقدر ما تضعنا أمام سؤال أكثر إزعاجاً ماذا يحدث للإنسان حين يصبح عاجزاً عن سماع الحقيقة؟ وماذا يحدث للمجتمع حين يختل ميزان القيم فيه؟ وماذا يحدث للدولة حين تتحول من مشروع لصناعة المستقبل إلى جهاز لإدارة اليوميات؟ فأخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعاً ما ليس أن تقل موارده، أو يتعثر اقتصاده، أو تضطرب مؤسساته؛ فهذه أزمات يمكن علاجها ما دام العقل حياً والضمير يقظاً. أما الكارثة الحقيقية فتبدأ عندما يتغير تعريف الأشياء داخل الوعي نفسه، أي حين يصبح الخطأ مألوفاً، والفساد شطارة، والواسطة فزعة، والانتهازية ذكاءً، والصمت حكمة، والنجاح مرادفاً للمال والظهور، بينما تصبح المعرفة والنزاهة والعمل الهادئ أشياء لا تجلب لصاحبها إلا المتاعب. وعندها لا يعود المجتمع يعاني من الفساد؛ بل يصبح منتجاً له. فيقول تعالى في وصف قوم نوح ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾. وهذه ليست صورة لأناس لم تصلهم الحقيقة؛ بل صورة لأناس وصلت إليهم الحقيقة، ثم اتخذوا قراراً بألا يسمعوها. وهنا تبدأ إحدى أخطر مراحل الانحطاط الإنساني. فالجهل، على قسوته، ليس أخطر ما يواجه الإنسان؛ لأن الجاهل يمكن أن يتعلم. أما الإنسان الذي يعرف، ثم يرفض المعرفة لأنها تهدد مصلحته أو مكانته أو صورته عن نفسه، فقد أغلق الباب الذي يمكن أن يدخل منه الإصلاح. ولهذا السبب فإن الاستكبار ليس مجرد عيب أخلاقي، بل إنه آلية لحماية الخطأ من التصحيح. والإنسان المتواضع يستطيع أن يراجع نفسه، أما المتكبر فيحتاج إلى تفسير كل حقيقة لا تناسبه باعتبارها مؤامرة، وكل نقد باعتباره عداءً، وكل مخالف باعتباره حاقداً أو جاهلاً. وما أكثر الأصابع التي توضع اليوم في الآذان دون أن تكون أصابع حقيقية. فقد يكون المنصب إصبعاً، والثروة إصبعاً، والنفوذ إصبعاً، والجمهور على منصات التواصل إصبعاً، والانتماء للجماعة أو الحزب أو العشيرة إصبعاً آخر. وهكذا تنشأ مجتمعات تتحدث كثيراً لكنها لا تصغي، وتنتج المعلومات بكميات هائلة لكنها تفتقر إلى المعرفة، وتملك المنابر لكنها تعجز عن إجراء حوار حقيقي مع نفسها. والأخطر أن الحقيقة ليست مريحة دائماً. فقد تطلب منك أن تعترف بخطأ، أو تتنازل عن امتياز، أو تقبل بأن شخصاً أقل منك مكانة أكثر منك كفاءة. ولذلك فإن الصراع الحقيقي ليس دائماً بين الإنسان والجهل، بل كثيراً ما يكون بين الحقيقة ومصلحة الإنسان في ألا يعرفها. ومن أكثر مفاتيح السورة دلالة قول نوح عليه السلام ﴿وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾. والمشكلة ليست في المال ذاته. فالمال أداة للحياة، وقد يكون وسيلة للخير والعمران. وإنما تبدأ المأساة عندما ينتقل المال من كونه وسيلة إلى كونه معياراً للقيمة والمكانة والحقيقة. وعندها لا يعود السؤال ماذا يعرف الإنسان؟ بل كم يملك؟ ولا ماذا أنجز؟ بل كم يملك من نفوذ؟ ولا ماذا قدم؟ بل كم عدد من يتابعونه؟ ولا هل هو كفء؟ بل من يعرف؟ ومن يحميه؟ وحين يعاد ترتيب المجتمع على هذا الأساس، يتلقى الجيل الجديد رسالة صامتة أخطر من آلاف الخطب، ومفادها لا تحتاج إلى أن تكون عظيماً، يكفي أن تبدو عظيماً؛ ولا تحتاج إلى أن تبني عقلاً، يكفي أن تبني صورة؛ ولا تحتاج إلى أن تنتج شيئاً، يكفي أن تملك شيئاً. وهكذا يتحول الإنسان من كائن يبحث عن المعنى إلى كائن يبحث عن الاستهلاك. فتصبح أسئلته على شاكلة ماذا أشتري؟ ماذا أرتدي؟ ماذا أقود؟ أين أسافر؟ كيف أظهر؟ كيف أجذب الانتباه؟ بينما تتراجع الأسئلة الكبرى من أنا؟ ماذا أستطيع أن أضيف؟ ما القضية التي تستحق أن أهبها سنوات من عمري؟ وما الأثر الذي أريد أن أتركه بعد أن أغادر؟ لكن المشكلة ليست في المال أو المظهر أو السفر، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها هذه الأشياء من هوامش الحياة إلى مركزها. وعندها قد يمتلك الإنسان كل شيء، إلا نفسه. ومن هنا يصبح ضياع الشباب قضية تتجاوز الحديث السهل عن جيل فاسد. فكثيراً ما ننظر إلى الشباب بوصفهم المشكلة، بينما السؤال الأكثر عدلاً هو أي مجتمع صنعنا لهم؟ فنحن نقول للشاب اجتهد، لكنه يرى الواسطة تتقدم على الكفاءة، ونقول له تعلم، فيرى الجاهل يتصدر. ونقول له كن نزيهاً، فيرى الانتهازي يعيش أفضل من النزيه. ونقول له اصبر وابنِ مستقبلك، بينما يرى من حوله من يريد كل شيء بسرعة، مالاً سريعاً، وشهرة سريعة، وسلطة سريعة، ومتعة سريعة. ثم نندهش حين يفقد ثقته بالقيم......

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعتين
خبرني منذ 14 ساعة
قناة رؤيا منذ 14 ساعة
خبرني منذ 5 ساعات
خبرني منذ 5 ساعات
خبرني منذ 3 ساعات
خبرني منذ 6 ساعات
خبرني منذ 15 ساعة
قناة رؤيا منذ 13 ساعة