الموانئ الإماراتية تتجاوز الأرصفة وتتوسع في سلاسل الإمداد العالمية

توسع شركات الموانئ الإماراتية نطاق أعمالها إلى ما وراء الأرصفة البحرية، عبر الاستثمار في المستودعات والموانئ الجافة والنقل البري والسكك الحديدية والمحطات الداخلية، في تحول يعيد رسم نموذج أعمال القطاع باتجاه الاستحواذ على حصة أكبر من سلسلة القيمة اللوجستية، بدل الاكتفاء بمناولة الحاويات عند وصول السفن ومغادرتها.

يتجسد هذا التوجه في أحدث توسعات «غلفتينر» (Gulftainer)، شركة البنية التحتية التجارية الإماراتية التي تتخذ من الشارقة مقراً لها، إذ اختارت لدخول السوق التايلاندي للمرة الأولى الاستثمار في محطة نهرية داخلية، وليس ميناءً بحرياً، في خطوة تنسجم مع استراتيجية أعلنتها قبل شهرين للتحول من مشغل للموانئ إلى مزود متكامل للبنية التحتية التجارية وسلاسل الإمداد.

ووقعت «غلفتينر» في 9 سبتمبر اتفاقاً ملزماً للاستثمار في «محطة سوكسوات» (Suksawat Terminal)، الواقعة على نهر تشاو فرايا في مقاطعة ساموت براكان جنوب بانكوك، والتي ترتبط عبر قوارب الشحن النهري بميناء «ليم تشابانغ»، البوابة البحرية الرئيسية للحاويات في تايلاند. وتعتزم الشركة زيادة طاقة المحطة ورفع إنتاجيتها وتوسيع نطاق الخدمات التي تقدمها.

لكن القيمة الاستراتيجية للصفقة تتجاوز إضافة محطة جديدة إلى محفظة «غلفتينر» الدولية. فالشركة تستهدف استخدام الموقع قاعدةً تجمع تشغيل المحطات بالنقل الداخلي والتخزين والخدمات البحرية، بما يوسع حضورها على امتداد حركة البضائع، منذ خروجها من مناطق الإنتاج وحتى وصولها إلى الميناء والأسواق الخارجية.

«دي بي وورلد» تستثمر 100 مليون دولار لتوسيع عملياتها في الدومينيكان

تحول استراتيجي من إدارة الموانئ إلى تكامل سلاسل الإمداد

يمثل هذا النموذج تحولاً في طبيعة أعمال «غلفتينر»، ففي يوليو الماضي، أعلنت الشركة أكبر تغيير استراتيجي في تاريخها الممتد لنحو خمسة عقود، ضمن خطة تنقلها من التركيز بصورة رئيسية على تشغيل الموانئ إلى بناء منظومة متكاملة تجمع الموانئ والشحن والنقل الداخلي والمناطق اللوجستية والصناعية والخدمات الرقمية.

تقوم الخطة على أربعة أنشطة مترابطة تشمل تشغيل الموانئ والمحطات، والنقل والخدمات اللوجستية الداخلية، وتطوير المناطق اللوجستية والمستودعات، إلى جانب خدمات الشحن البحري. ويتيح هذا التكامل للشركة الحضور في مراحل متعددة من حركة البضائع، بدل أن تنحصر إيراداتها ودورها التشغيلي عند بوابة الميناء.

وتكشف استثمارات «غلفتينر» داخل الإمارات حجم هذا التحول. وتخطط الشركة لرفع الطاقة طويلة الأجل لـ«محطة حاويات خورفكان» إلى أكثر من 10 ملايين حاوية نمطية سنوياً، مقابل 3.5 مليون حاوية حالياً، إلى جانب طاقة لوجستية داخلية مجمعة تبلغ 2.3 مليون حاوية سنوياً في منطقتي الذيد والصجعة. كما تشغل ذراعها للشحن 10 سفن مستأجرة، مع خطط لإضافة سفن مملوكة إلى الأسطول.

بذلك، يمثل دخول تايلاند امتداداً خارجياً لنموذج يجري بناؤه أصلاً في الإمارات، يقوم على ربط الموانئ بالمراكز اللوجستية الداخلية، وإضافة خدمات النقل والتخزين والشحن ضمن شبكة واحدة مترابطة.

غلفتينر (Gulftainer) المتخصصة في مجال إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية المتكاملة وبنية التحتية التجارية، الشارقة.

المصدر: موقع الشركة الرسمي.

توسع إماراتي متصاعد خارج الحدود والأرصفة البحرية

لا تتحرك «غلفتينر» منفردةً في هذا الاتجاه، إذ توسع موانئ إماراتية أخرى حضورها عبر حلقات مختلفة من سلسلة الإمداد، في تحول يتجاوز الاستثمار في البوابات البحرية إلى بناء شبكات تربط الموانئ بالمصانع والمستودعات والأسواق.

ففي تايلاند نفسها، حصلت «دي بي ورلد» (DP World) في مايو الماضي على تمديد لمدة خمس سنوات لامتياز تشغيل الرصيف «بي 5» (B5) في ميناء «ليم تشابانغ»، ليستمر العقد حتى أبريل 2031. وتمثل عمليات الشركة هناك جزءاً من شبكة أوسع في آسيا تجمع الموانئ بالخدمات اللوجستية والنقل الداخلي.

وفي الإمارات، تسير «مجموعة موانئ أبوظبي» (AD Ports Group) في الاتجاه نفسه، عبر بناء شبكة داخلية متعددة الوسائط تربط الموانئ بالمناطق الصناعية والموانئ الجافة ومستودعات الحاويات والسكك الحديدية.

وفي مايو، وقعت المجموعة مذكرة تفاهم مع «سي إم إيه سي جي إم» (CMA CGM) ومحطة «سي إم إيه تيرمينالز ميناء خليفة» (CMA Terminals Khalifa Port) لتوسيع نطاق وصول «ميناء خليفة» إلى الأسواق الداخلية عبر شبكة تضم موانئ جافة ومستودعات للحاويات ومرافق مرتبطة بالسكك الحديدية، مع إمكانية امتداد الممرات إلى حدود السعودية وسلطنة عُمان.

وعززت المجموعة هذا النموذج خلال سبتمبر بإطلاق خدمة مباشرة بالتعاون مع «قطارات الاتحاد» تربط «محطة الفجيرة» بمدينة أبوظبي الصناعية، بما يمد نطاق الخدمات المرتبطة بالميناء إلى مركز صناعي داخل اليابسة.

«موانئ دبي» تدرس توسيع استثماراتها في مصر لدعم الخدمات اللوجستية

عوائد اقتصادية مستدامة ونماذج إيرادات أبعد من الحاوية

اقتصادياً، يفتح هذا النموذج أمام مشغلي الموانئ مصادر أوسع للإيرادات. فمناولة الحاوية على الرصيف تمثل حلقة واحدة من سلسلة طويلة، بينما تتيح إضافة النقل والتخزين والموانئ الجافة والخدمات البحرية تحقيق إيرادات عبر مراحل متعددة من رحلة البضائع.

كما يمنح التكامل المشغل القدرة على تقديم حزمة أوسع من الخدمات للعميل ضمن عقد واحد، بدل توزيع حركة البضائع بين عدد من الشركات، وهو ما يفسر تنامي أهمية الأصول اللوجستية الواقعة بعيداً عن الساحل ضمن استراتيجيات مشغلي الموانئ.

من هذه الزاوية، تكتسب صفقة «غلفتينر» في تايلاند أهميتها. فالشركة لم تدخل السوق عبر منافسة مباشرة على ميناء «ليم تشابانغ»، وإنما اختارت موقعاً داخلياً متصلاً به، تستطيع من خلاله بناء خدمات تمتد إلى ما قبل وصول الحاوية إلى الميناء وما بعد خروجها منه.

وتكشف الصفقة بذلك ملامح مرحلة جديدة من توسع شركات الموانئ الإماراتية. فبعد بناء حضور واسع في الموانئ والمحطات البحرية، تمتد المنافسة بصورة متزايدة إلى ما وراء الرصيف، حيث المستودعات والموانئ الجافة والقطارات والشاحنات والمحطات النهرية.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 8 ساعات
منذ 50 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 34 دقيقة
الشرق بلومبرغ منذ 16 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 13 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 19 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 23 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 12 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 19 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 17 ساعة