جو24- كتب د. محمد تركي بني سلامة -
بداية، وحتى لا يذهب البعض بعيداً في التأويل والتصنيف وتوزيع بطاقات العضوية السياسية على الناس، أقول بوضوح: لست عضواً في حزب الأمة، ولا في أي حزب سياسي آخر، ولم أكتب يوماً بلسان حزب أو دفاعاً عنه. أنا مستقل، وأكتب هنا بصفتي أكاديمياً ومراقباً للشأن العام.
لكن الاستقلال لا يعني الصمت، والحياد لا يعني إغلاق العينين عندما تصبح الأسئلة أوضح من الإجابات.
فالحديث المتداول عن تعديل وزاري محتمل وإمكانية دخول شخصيات حزبية وسطية إلى الحكومة يبدو، للوهلة الأولى، خبراً مفرحاً لكل من يؤمن بمشروع التحديث السياسي.
لكن الفرحة لا ينبغي أن تمنع السؤال:
أي أحزاب ستدخل الحكومة؟ ولماذا هذه الأحزاب تحديداً؟
لدينا في الأردن اليوم 30 حزباً سياسياً قائماً. لكننا نعرف أيضاً أن الأحزاب ليست متساوية في حضورها الانتخابي والبرلماني والسياسي. هناك أحزاب تمتلك تمثيلاً واضحاً، وأخرى محدودة الحضور، وبعضها يكاد المواطن يحتاج إلى محرك بحث ليتأكد من وجوده!
ومع ذلك، عندما يبدأ الحديث عن «توزير الحزبيين»، يبدو أحياناً وكأننا أمام يانصيب سياسي:
وذاك، رغم حضوره الانتخابي، يبقى خارج الصورة.
هل هو عدد المقاعد في مجلس النواب؟
إذا كان كذلك، فلنعلن ذلك.
ممتاز، فلنحتكم إلى صناديق الاقتراع.
رائع، فلنضع البرامج أمام الرأي العام ونقارن بينها.
هل هو القدرة على تشكيل أغلبية أو ائتلاف برلماني؟
هذا هو منطق الديمقراطيات البرلمانية أصلاً.
أما أن يكون لدينا معيار لا يعرفه الناخب ولا الحزب ولا المراقب، فهذا ليس معياراً سياسياً؛ هذا لغز سياسي.
والمواطن الأردني لديه ما يكفيه من الألغاز.
لنأخذ المثال الأكثر وضوحاً: حزب الأمة، بوصفه الامتداد الحزبي للتيار الذي كان يمثله حزب جبهة العمل الإسلامي.
وقد نعارض برامجه من أول صفحة إلى آخر صفحة.
لكن ما لا يمكن تجاهله عند مناقشة مستقبل الحكومات الحزبية هو وزنه الانتخابي والبرلماني.
أنا هنا لا أطالب بتوزير الحزب، ولا أدعو إلى استبعاده. فذلك قرار سياسي تحكمه اعتبارات تشكيل الحكومة والأغلبية والبرنامج والتوافقات الدستورية والسياسية.
إنني أطرح سؤالاً أبسط بكثير:
إذا لم يكن الوزن الانتخابي والبرلماني معياراً أساسياً، فما المعيار إذن؟
لأن الديمقراطية لا تعمل بمنطق:
نحتاج الأحزاب عندما نريد الناس أمام صناديق الاقتراع، ثم نبحث عن أحزاب أخرى عندما نريد الناس حول طاولة مجلس الوزراء!
إذا كان حزب كبير سيبقى في المعارضة، فلا مشكلة في ذلك من حيث المبدأ.
بل إن المعارضة الحزبية القوية ضرورة للديمقراطية.
ولكن ليكن ذلك ضمن معادلة سياسية واضحة: ائتلاف يمتلك أغلبية يحكم، وحزب أو أحزاب أخرى تعارض، والمواطن يعرف من يحكم ومن يعارض ولماذا.
أما أن تتحول الأحزاب إلى نوعين؛ أحزاب تجمع الأصوات، وأحزاب تجمع الحقائب، فهنا يصبح السؤال مشروعاً، بل واجباً.
والأكثر غرابة أننا نريد، في الوقت نفسه، إقناع الأردنيين بالانضمام إلى الأحزاب!
لكي تشارك في الحياة السياسية.
احصلوا على الأصوات والمقاعد.
فقد تكتشف بعد كل ذلك أن الحزب الذي يمتلك حضوراً محدوداً أقرب إلى الوزارة من الحزب الذي حصل على أصوات أكثر!
عندها سيقول المواطن، وبمنطق بسيط جداً:
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
مشروع التحديث السياسي ليس مجرد قوانين جديدة للأحزاب والانتخابات، ولا زيادة عدد المقاعد المخصصة للقوائم الحزبية، ولا إدخال خمسة حزبيين إلى الحكومة ثم التقاط صورة تذكارية وإعلان انتصار التجربة الحزبية.
التحديث السياسي الحقيقي يعني بناء سلسلة سببية مفهومة:
البرلمان يعكس تلك الأوزان.
ومن البرلمان تتشكل أغلبية أو ائتلاف أو معارضة.
ومن الأغلبية السياسية تنشأ، تدريجياً، حكومة برلمانية.
وليست الفكرة أن نأخذ الطريق كله ثم، قبل الوصول إلى المحطة الأخيرة، نقول.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
