قراءة تفكيكية لـ "طبقات الحرب" في اليمن واصطلاحاتها

جو24- ما من أزمة تعرضت للتشوية و"الاختزال" و"التبسيط" و"التسطيح"، مثل الأزمة اليمنية، وما من خلط واختلاط في المفاهيم والمصطلحات لحق بحرب من حروب الداخل والخارج، مثلما حصل للمفاهيم والمصطلحات التي صاحبت الأزمة اليمنية خلال أزيد من عقدين من الزمان.

ونقول أزيد من عقدين، لأن حرب اليمن، وحروب الآخرين عليه، لم تبدأ بالأمس القريب، ولا في حتى في حرب السنوات الثمانية...جذر الحرب في طبقاتها المتعددة والمتراكبة، أبعد من ذلك بكثير، وتعود إلى زمن الراحل علي عبد الله صالح، وتحالفاته المتقلبة مع عواصم خليجية وازنة، التي تشبه المدّ والجزر...أما أدوات الحرب الدائرة هذه الأيام، وقودها وتحالفاتها وأهدافها الأقرب والأبعد، فقد سبق لتجلياتها أن تظهّرت منذ زمن طويل، وإن بوتائر أقل من الشدة، وحدٍ أدنى من "السفور".

أولاً؛ في تفكيك طبقات الحرب

في توصيف ما يجري في اليمن، ثمة سرديات متضاربة، تُخفي كل واحدة منها انحيازاً سياسياً، وأحياناً إيديولوجياً، من يقول أنها حرب يمنية يمنية أساساً، يتغافل عن دور الخارج في تأجيج الصراع و"أقلمته" و"تدويله"، هنا، تبرز السردية السعودية بخاصة، إذ تصر المملكة على أنها ليست طرفاً في هذا الصراع، وأن تدخلها فيه يندرج دائماً، في إطار الوساطة والرعاية لسلام متعذر بين "الإخوة الأعداء"، وأن لا مطمع لها ولا مطمح من أي نوعٍ في اليمن، وأن دورها فيه يأتي رداً على "تغوّل" إيران وتوغلها في الشأن اليمني، ودائماً من بوابة دعم "الشرعية"، و"الشرعية" هنا توضع بين مزدوجين، وسنأتي على "تفكيكها" قبل نهاية هذه المقالة...السردية السعودية تكاد تختصر سردية خليجية واسعة، ومن خلفها سردية عربية رسمية بامتياز.

تقابلها، "سردية إيرانية"، تترفع عن اتهامات التدخل، وتحيل الصراع إلى بعده اليمني، دون أن تنسى توجيه أصابع الاتهام لدول خليجية وعربية ضالعة في حروب اليمن، ومتسببة في عدم استقراره، تشير بأصابع الاتهام للتدخل الخليجي، المدعوم أمريكياً وغربياً، وأحياناً إسرائيلياً، لتصل إلى أن كل ما يتعلق بالشأن اليمني، يعود قراره لـ "أنصار الله" المستقل، من دون إخفاء الطابع التحالفي التنسيقي بين صنعاء وطهران.

تبرئة الذات من "فرية" التدخل في الشأن اليمني، واتهام الخصوم بالتدخل الوقح والسافر، هو القاسم المشترك الأعظم، بين "السرديتين"، وهو اختزال مُخلٌّ لشرح ما يحدث في البلد الذي لم يعد "سعيداً" منذ أمدٍ بعيدٍ.

وتعظّم سردية ثانية أثر العامل الخارجي في إذكاء الحرب في اليمن وعليه، حتى بدا مجرداً من دوافعه وعوامل الوطنية، الكامنة في صلب الانقسامات السياسية والاجتماعية، وتضارب أولويات وأهداف فاعلين يمنيين أساسيين، كما تجرده من طابعه العقائدي، لتعيد تقديمه، بوصفه "حرب وكالة" يدور رحاها بين طهران من جهة، وخصومها الكثيرون في الإقليم من جهة أخرى....وتضيف الجغرافيا السياسية بعداً دولياً حاسماً على خاصاً على هذه السرديات، عند تفسير أسباب اندلاع اهذه الصراع وديمومته، حتى صار واحداً من أقدم الصراعات في الإقليم...هنا تدخل الولايات المتحدة، بوصفها راعية "الشرعية" ورعاتها من عربٍ وإقليميين، وتدخل الصين بوصفها مصدراً لتكنولوجيا المسيّرات والصواريخ الحوثية، وتدخل روسيا بوصفها منافساً لأمريكا على مستقبل النظام العالمي الجديد، دع عنك لاعبين إقليميين من خارج الدائرة العربية، مثل أثيوبياً وتركيا، وآخرون من دونهم.

والحقيقة أن للحرب في اليمن وعليه، طبقات عدة متراكبة، فمن يتجاهل البعد اليمني اليمني لهذه الحرب، ينكر أولاً؛ حقيقة أن انقسامات اليمنيين العشائرية والمناطقية والجهوية، لطالما كانت "محركاً" مهماً من محركات الحرب والصراع والتنازع، وينكر ثانياً؛ أن ثمة أجندة "استقلالية" لأهل الجنوب، البعض يسميها "انفصالية"، مع أنها لم تنشأ من فراع، ولديها عواملها وبواعثها الحقيقية...ينكر ثالثا؛ أن ثمة انقسامات مذهبية وطائفية، بين حوثية زيدية (اقرب للجعفرية) وإخوانية وسلفية، تجلت في أحزاب وجماعات، سياسية ومسلحة، لم تنشأ اليوم، وأن جذورها ضاربة في عمق البيئة اليمنية منذ سنوات وعقود...ينكر رابعا؛ أن ثمة انقسامات بين اليمنيين حول مستقبل بلدهم، وشكل الدولة والحكم اللذان يريدونه في المستقبل، بين "إمامية" و"جمهورية"، بين اتجاهات تحبذ "الانفصال وأخرى أميل لـ "الفيدرالية وثالثة ما زالت تقف عند تخوم "الدولة المركزية"...وهذا فيض من غيض الانقسامات الداخلية، التي تغذي الصراع، وتتسبب في استدامته، وتفتح ثغرات كبيرة في جدران السيادة والوحدة الوطنية وتماسك النسيج الاجتماعي، تسمح لكل من يريد العبث باليمن، التسلل من هذه الشقوق، والتي تصبح أحياناً بمثابة بوابات للتدخل الخارجي و"الاستزلام" والاسترزاق، وغير ذلك مما نعرف ونشاهد منذ ردح من الزمن.

ولم يكن الحديث عن "أقلمة" الصراع في اليمن و"تدويله" ممكناً لولا وجود منظومات مصالح إقليمية ودولية، طامعة وطامحة في البحث عن موطئ قدمٍ في الجغرافيا والمياه والأجواء والثروات اليمنية .... من ممرات الملاحة وطرقها ومضيقها (باب المندب)، إلى ثروات البلاد التي لم تتوفر لليمنيين الفرصة لاكتشافها واستخراجها والانتفاع بها...ثمة من لا يريد لليمن أن يكون موحداً ومستقراً ونامياً، والأهم "ديمقراطياً تعددياً"، خشية انتقال العدوى إلى دواخل هذه الأطراف...ثمة من هو على استعداد لصرف الغالي والنفيس، لمطاردة الإسلام السياسي بمختلف مدارسه حتى أبعد نقطة على سطح الكوكب، واليمن لطالما كان حاضنة لمختلف مدارس الإسلام السياسي والمسلح، من "قاعدة عدن إبين" الأكثر إثارة لقلق الغرب أساساً، إلى المدارس السلفية التي عمل علي عبد الله صالح على دعمها وضمان انتشارها، "نكاية" بالحوثيين وفي مواجهتهم، مدعوماً بتأييد عربي وخليجي واضح، مروراً بالتجمع اليمني للإصلاح، إخوان اليمن، ذوي البعد الاجتماعي الوازن في مناطق وأوساط مهمة من هذه البلاد، وليس انتهاء بأنصار الله الذين تسارع اقترابهم من الجعفرية الإمامية بعد حروب علي عبد الله صالح الستة عليهم.

وثمة من تتسمر أنظاره، من دول الخليج والإقليم، على الجزر اليمنية النادرة والحاكمة، وعلى شواطئها الممتدة لآلاف الكيلومترات، وعلى المضيق والموانئ، من ضمن رؤية كونية، للتمدد والانتشار، بمعناه الاستثماري والاستراتيجي على حد سواء.

لكل هذه الأسباب، تبدو الحرب في اليمن وعليه، متعددة الطبقات، واحدة منها "وطنية"، يمنية يمنية، وثانيتها إقليمية بين دول طامعة في الأرض وباطنها، والمياه بشواطئها وجزرها وموانئها وممراتها، وثالثتها، دولية، تتصل بصلب أمن الملاحة والتجارة وسلاسل الإمداد و"محاربة القرصنة والإرهاب"، على كتف "القرن الأفريقي".

وفي سعيها لتقليل كلف نزوعها للهيمنة وسعيها لإيجاد مواطئ أقدام في هذه الجغرافيا الحساسة، سعت مختلف الأطراف، للبحث عن "وكلاء" و"أعوان" من بين اليمنيين، ومن أسفٍ، فإن معظم اللاعبين الإقليميين، بالأخص العرب، لا يجدون عنتاً في الحصول على ما يبتغون، فاليمنيون أنفسهم، سمحوا بأن تكون بلادهم، "ملعباً مفتوحاً" لمن يريد اللعب والعبث، وهم أنفسهم من استدعى مختلف التدخلات الأجنبية، والتاريخ الحديث يقول إن لعبة "انقلاب البنادق" أو "نقل البندقية من كتفٍ إلى كتفٍ" قد انتشرت في اليمن، أكثر من أي ساحة أخرى من ساحات الأزمات المفتوحة.

لنخلص للقول: إن تفكيك طبقات الحرب.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ 10 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 40 دقيقة
منذ 53 دقيقة
قناة المملكة منذ 5 ساعات
قناة رؤيا منذ 13 ساعة
قناة رؤيا منذ 9 ساعات
قناة المملكة منذ ساعتين
قناة رؤيا منذ 6 ساعات
قناة المملكة منذ 18 ساعة
قناة رؤيا منذ 13 ساعة
قناة رؤيا منذ 10 ساعات