رغم اقتراب أسعار النفط من مضاعفة قيمتها منذ بداية العام الجاري، مدفوعة بتداعيات الحرب واضطرابات الإمدادات العالمية، تواجه الدول الإفريقية المنتجة للخام تحديات تحول دون تحويل طفرة الأسعار إلى موجة جديدة من الاستثمارات والإنتاج، في ظل خلافات بشأن الشروط المالية وتقاسم الأرباح والتكاليف مع شركات الطاقة العالمية.
وبحسب تقرير لوكالة «بلومبرغ»، فإن ارتفاع أسعار النفط، مع صعود خام برنت باتجاه 116 دولاراً للبرميل، أعاد الاهتمام بالفرص الاستثمارية في قطاع الطاقة الإفريقي، لكنه لم يكن كافياً لدفع الشركات إلى اتخاذ قرارات نهائية بشأن تطوير الحقول المكتشفة.
وتبرز هذه المعضلة في وقت تسعى فيه دول مثل نيجيريا وأنغولا إلى تعزيز إنتاجها من الحقول القائمة، بينما تراهن ناميبيا وساحل العاج على اكتشافات جديدة لتحويل نفسها إلى مراكز مهمة لإنتاج النفط.
قلة الاستثمارات
تتمتع إفريقيا باحتياطيات نفطية كبيرة وفرص استكشاف واعدة، لكن تطوير هذه الموارد يعتمد في نهاية المطاف على استعداد شركات الطاقة لضخ استثمارات ضخمة في مشاريع قد تستغرق سنوات قبل بدء الإنتاج.
وتشكل الشروط المالية التي تفرضها الحكومات العامل الحاسم في قرارات الاستثمار، بما يشمل الضرائب والإتاوات وآليات استرداد التكاليف وتقاسم الأرباح بين الدول والشركات.
وخلال أكبر تجمع سنوي لصناعة النفط الإفريقية، الذي استضافته كيب تاون هذا الشهر، تصدرت هذه القضايا المناقشات، رغم الارتفاع الحاد في الأسعار العالمية.
وقال برنت غروس، رئيس عمليات الإنتاج البحري لدى شركة «شيفرون»، إن عدداً من الدول الإفريقية بدأ يدرك أهمية تقديم شروط مالية تنافسية لجذب الاستثمارات. وأضاف أن نيجيريا اتخذت خطوات عدة في هذا الاتجاه، ما بدأ ينعكس على تقدم بعض المشاريع النفطية.
لكن الوصول إلى قرار الاستثمار النهائي لا يزال يمثل تحدياً كبيراً، إذ يمكن أن تبقى المشاريع قريبة من مرحلة التنفيذ لأشهر أو حتى سنوات، دون أن تتمكن الشركات والحكومات من التوصل إلى اتفاق نهائي.
صندوق النقد: مكاسب اقتصادات إفريقيا لا تزال هشة ومخاطر التضخم تتزايد
تأجيل إنتاج نفط ناميبيا
تبرز ناميبيا باعتبارها أحد أهم الأسواق النفطية الواعدة في إفريقيا، بعد سلسلة من الاكتشافات البحرية التي أثارت اهتمام شركات الطاقة العالمية.
لكن البلاد تواجه احتمال تأجيل بدء إنتاجها النفطي الأول إلى العقد المقبل، بعدما كانت تستهدف موعداً أقرب، بسبب استمرار المفاوضات مع شركة «توتال إنرجيز» الفرنسية بشأن تطوير حقل «فينوس» المكتشف عام 2022.
وتتركز المفاوضات على الجوانب التجارية والمالية للمشروع، التي ستحدد جدواه الاقتصادية وحجم العوائد التي ستحصل عليها الحكومة والشركة المطورة.
وعندما سُئل مستشار خاص للرئاسة الناميبية عن الجدول الزمني المتوقع لبدء الإنتاج، أحال السؤال إلى الشركة الفرنسية، في إشارة إلى استمرار حالة عدم اليقين بشأن موعد تنفيذ المشروع.
ويعكس هذا التأخير التحديات التي تواجه الدول الإفريقية الساعية إلى الاستفادة من الاكتشافات الجديدة، إذ لا يضمن العثور على احتياطيات كبيرة الانتقال السريع إلى مرحلة الإنتاج التجاري.
نيجيريا تتحرك
في المقابل، تسعى نيجيريا، إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط في إفريقيا، إلى تحسين البيئة الاستثمارية في القطاع عبر إجراءات تهدف إلى تعزيز تنافسية الشروط المالية للمشاريع.
وتشير تصريحات مسؤولي «شيفرون» إلى أن هذه الخطوات بدأت تساعد على دفع بعض الاستثمارات نحو مراحل أكثر تقدماً. أما غينيا الاستوائية، العضو في منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك»، فتواجه تحدياً مختلفاً يتمثل في التراجع الحاد لإنتاجها النفطي.
وأرسلت الحكومة إشارات إلى المستثمرين باستعدادها لتقديم شروط أكثر مرونة بهدف وقف انخفاض الإنتاج واستقطاب استثمارات جديدة إلى الحقول القائمة.
وتعكس هذه التحركات إدراك الحكومات الإفريقية أن ارتفاع الأسعار العالمية لا يضمن وحده زيادة الإنتاج، خصوصاً عندما تكون تكلفة تطوير الحقول مرتفعة أو تتسم الأنظمة الضريبية والاستثمارية بعدم اليقين.
مخاطر الاستثمار رغم طفرة الطلب
تواجه شركات النفط العالمية معادلة معقدة عند تقييم المشاريع الإفريقية، إذ يتعين عليها الموازنة بين العوائد المحتملة من ارتفاع الأسعار والتكاليف الضخمة اللازمة لتطوير الحقول.
وتزداد أهمية هذه الحسابات في المشاريع البحرية العميقة، التي تتطلب استثمارات كبيرة في منصات الإنتاج والبنية التحتية وخطوط النقل.
كما أن أسعار النفط المرتفعة حالياً لا تضمن استمرار مستويات الأسعار نفسها عند بدء الإنتاج بعد سنوات، ما يدفع الشركات إلى تقييم جدوى المشاريع وفق توقعات طويلة الأجل، وليس استناداً إلى الأسعار الفورية وحدها.
وتبرز كذلك أهمية استقرار القواعد الضريبية والتعاقدية، إذ يمكن أن يؤدي تغير شروط تقاسم الإيرادات أو استرداد التكاليف إلى تقليص العوائد المتوقعة وتأجيل قرارات الاستثمار.
وبالنسبة إلى الحكومات الإفريقية، تكمن الصعوبة في تحقيق توازن بين تعظيم حصتها من الثروة النفطية وتقديم حوافز كافية لجذب الشركات القادرة على تطوير الموارد.
الجزائر تعزز حضورها
بالتزامن مع هذه التطورات، تتجه الجزائر إلى تعزيز دورها في حماية المصالح النفطية الإقليمية، بعدما وافق مشرعون جزائريون على إرسال قوات لحماية منشآت نفطية في النيجر المجاورة، وفقاً لـ«بلومبرغ».
وتعد الخطوة استثنائية بالنسبة إلى الجزائر، التي تتبنى تقليدياً سياسة خارجية تقوم على عدم الانحياز وتجنب التدخل العسكري خارج حدودها.
وكان الدستور الجزائري يتطلب موافقة البرلمان على نشر القوات في الخارج، وهو ما يجعل القرار تحولاً لافتاً في مقاربة البلاد لحماية المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه أهمية أمن المنشآت النفطية وخطوط الإمداد، مع استمرار الاضطرابات الجيوسياسية التي دفعت أسعار الخام إلى مستويات مرتفعة.
النفط يتراجع لكنه يبقى قرب أعلى مستوياته في 6 أشهر
ضغوط ارتفاع النفط
في حين تسعى الدول المنتجة إلى الاستفادة من ارتفاع الأسعار، تواجه الاقتصادات الإفريقية المستوردة للطاقة ضغوطاً تضخمية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود والنقل.
وتشير توقعات «بلومبرغ إيكونوميكس» إلى أن التضخم في زامبيا قد يواصل التباطؤ خلال أكتوبر، وإن بوتيرة أقل، مدعوماً بانخفاض الضغوط المرتبطة بأسعار الغذاء وأداء العملة المحلية.
أما في كينيا، فمن المتوقع تسارع التضخم نتيجة ارتفاع تكاليف النقل، مع بقائه على الأرجح دون الحد الأعلى للنطاق المستهدف من البنك المركزي.
وفي أوغندا، تتفاقم الضغوط السعرية بفعل تراجع الشلن إلى مستويات قياسية أمام الدولار، ما يزيد تكلفة واردات الوقود ويضاعف تأثير ارتفاع أسعار الطاقة العالمية.
وتعكس هذه التباينات التأثير غير المتكافئ لطفرة النفط على اقتصادات القارة، إذ توفر الأسعار المرتفعة فرصاً لزيادة إيرادات الدول المنتجة، لكنها ترفع في المقابل تكاليف المعيشة والإنتاج في الدول المستوردة.
وفي المحصلة، فإن اقتراب النفط من 116 دولاراً للبرميل لا يعني بالضرورة دخول إفريقيا مرحلة ازدهار نفطي جديد، إذ ستظل قدرة الدول على جذب الاستثمارات وتحويل الاحتياطيات إلى إنتاج فعلي مرتبطة بالشروط المالية واستقرار السياسات وسرعة اتخاذ القرارات الاستثمارية، أكثر من ارتباطها بارتفاع الأسعار وحده.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
