قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ أزمة الطاقة عام 2022، مدفوعة بتداعيات الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران واضطرابات الإمدادات، ما يضع الحكومات الأوروبية أمام اختبار جديد لقدرتها على حماية المستهلكين والشركات من ارتفاع تكاليف الطاقة، في ظل ضغوط متزايدة على الميزانيات العامة.
وبحسب تقرير لوكالة «بلومبرغ»، فإن أسعار الغاز الأوروبية ارتفعت بأكثر من 3 أضعاف منذ بداية العام الجاري، لتصل إلى نحو 97 يورو لكل ميغاواط/ساعة، وسط مخاوف من موجة ارتفاعات إضافية خلال فصل الشتاء.
ورغم عودة الأسعار إلى مستويات لم تشهدها القارة منذ أزمة الطاقة التي أعقبت حرب روسيا في أوكرانيا، فإن استجابة الحكومات لا تزال محدودة مقارنة بالإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها قبل 4 سنوات.
12 مليار يورو فقط لمواجهة الأزمة
أظهرت تقديرات مركز الأبحاث «بروغل»، ومقره بروكسل، أن الحكومات الأوروبية تعهدت بتقديم تدابير إضافية تبلغ قيمتها نحو 12 مليار يورو للتخفيف من تأثير الحرب الأميركية الإيرانية على فواتير الطاقة.
ويمثل هذا المبلغ جزءاً ضئيلاً من حزم الدعم التي أقرتها الحكومات عقب الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، عندما بلغت المساعدات المقدمة للمستهلكين، بما في ذلك دعم الأسعار ووضع سقوف للفواتير، نحو 650 مليار يورو.
ويعكس هذا التفاوت اختلاف حجم الاضطرابات بين الأزمتين، إذ لم تصل تأثيرات نقص الإمدادات الحالي حتى الآن إلى المستويات الحادة التي شهدتها الأسواق الأوروبية قبل 4 سنوات.
فعلى الرغم من ارتفاع أسعار الغاز بأكثر من 200% منذ بداية 2026، فإنها لا تزال بعيدة عن الذروة التاريخية البالغة 345 يورو لكل ميغاواط/ساعة، التي سجلتها خلال أزمة 2022.
لكن استمرار الحرب واضطرابات الإمدادات قد يعيد الضغوط إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً مع اقتراب موسم الشتاء وارتفاع الطلب على التدفئة.
اكتشافات جديدة لبئر نرجس 2 بالبحر المتوسط تدعم احتياطيات مصر من الغاز
مخزونات الغاز تثير القلق
اتخذت أوروبا خلال السنوات الماضية إجراءات لتقليص اعتمادها على مصادر الطاقة الخارجية، شملت التوسع في قدرات الطاقة المتجددة وخفض استهلاك الغاز الطبيعي.
وساعدت هذه الخطوات على تحسين قدرة القارة على التعامل مع الصدمات الخارجية، لكنها لم تقضِ على المخاطر المرتبطة بنقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.
وتبلغ مستويات امتلاء مخزونات الغاز الأوروبية حالياً نحو 75%، مقارنة بمتوسط موسمي يبلغ 90%، ما يثير المخاوف بشأن قدرة القارة على مواجهة شتاء أكثر برودة من المعتاد.
وتحذر شركة الاستشارات «إنرجي أسبكتس» من أن أسعار الغاز قد تتجاوز 200 يورو لكل ميغاواط/ساعة إذا جاء الشتاء شديد البرودة بالتزامن مع استمرار شح الإمدادات.
ويمثل هذا السيناريو تهديداً كبيراً للقطاع الصناعي الأوروبي، الذي يعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف الطاقة مقارنة بمنافسيه العالميين.
فجوة هائلة مع الولايات المتحدة
تزداد المخاوف بشأن تنافسية الصناعة الأوروبية في ظل الفجوة الكبيرة بين أسعار الغاز في القارة والولايات المتحدة.
فبينما يبلغ سعر الغاز الأوروبي نحو 97 يورو لكل ميغاواط/ساعة، يعادل السعر الأميركي نحو 8 يوروهات فقط للوحدة نفسها.
وتعني هذه الفجوة أن الشركات الصناعية الأوروبية تتحمل تكاليف طاقة تزيد على نظيراتها الأميركية بأكثر من 12 ضعفاً.
وإذا ارتفعت الأسعار الأوروبية إلى 200 يورو لكل ميغاواط/ساعة، فقد تتسع الفجوة إلى نحو 25 ضعفاً، ما يهدد قدرة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة على المنافسة.
وتشمل القطاعات الأكثر عرضة لهذه الضغوط الصناعات الكيميائية والأسمدة والمعادن وغيرها من الأنشطة التي تعتمد بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي في عمليات الإنتاج.
ومن شأن استمرار هذه الفجوة أن يزيد الضغوط على الشركات الأوروبية لخفض الإنتاج أو تأجيل الاستثمارات، في وقت تواجه فيه اقتصادات القارة تحديات مرتبطة بضعف النمو وارتفاع تكاليف التمويل.
فرنسا تواجه ضغوطاً اجتماعية ومالية
تواجه الحكومات الأوروبية صعوبة متزايدة في إعادة تطبيق برامج الدعم الواسعة التي استخدمتها خلال أزمة الطاقة السابقة، بسبب ارتفاع مستويات الدين العام وتكاليف الاقتراض.
وتبرز فرنسا مثالاً على هذه المعضلة، بعدما شهدت البلاد مؤخراً أعنف احتجاجات في الشوارع منذ عقود، وسط غضب شعبي من ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة.
وأقر وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور بأن قدرة الحكومة على الاستجابة للمطالب الاجتماعية محدودة بسبب القيود المالية.
وطرح الوزير إمكانية تقديم موعد الزيادة السنوية في الحد الأدنى للأجور بضعة أشهر، إلى جانب توفير إعانات للسائقين الذين يقطعون مسافات طويلة بصورة منتظمة.
لكن هذه الإجراءات تبقى محدودة مقارنة بحجم التدخل الحكومي الذي شهدته أوروبا خلال أزمة 2022، عندما خصصت الدول مئات المليارات من اليوروهات لحماية الأسر والشركات من ارتفاع أسعار الطاقة.
وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن قدرة الحكومات على احتواء موجة جديدة من الغضب الاجتماعي إذا استمرت أسعار الغاز والوقود في الارتفاع خلال الشتاء.
«الطاقة الدولية» تستبعد عودة سوق الطاقة لمستويات ما قبل الحرب في 2027
أوروبا تراجع قيود واردات الغاز
رغم محدودية الخيارات المالية، لا يزال الاتحاد الأوروبي يمتلك أدوات تنظيمية يمكن استخدامها لتعزيز إمدادات الغاز وتخفيف الضغوط على الأسعار.
ويتحرك التكتل بالفعل لتأجيل تطبيق قواعد جديدة تتعلق بانبعاثات الميثان، كان من الممكن أن تعرقل بعض واردات الغاز إلى الأسواق الأوروبية.
وفي الوقت نفسه، من المقرر أن يدخل الحظر الكامل على شراء الغاز الطبيعي المسال الروسي حيز التنفيذ في يناير المقبل.
لكن ارتفاع أسعار الطاقة أدى إلى تصاعد الضغوط من بعض الأطراف لإعادة النظر في هذه الإجراءات، بهدف تقليص تكاليف المعيشة وضمان توافر الإمدادات.
وتضع هذه التطورات الاتحاد الأوروبي أمام معادلة معقدة تجمع بين أهداف أمن الطاقة وتقليص الاعتماد على روسيا والحفاظ على تنافسية الاقتصاد.
شتاء حاسم لأسواق الطاقة
تتجه الأنظار هذا الأسبوع إلى اجتماع وزراء الطاقة في الاتحاد الأوروبي، المقرر الخميس في لوكسمبورغ، لمناقشة الاستعدادات لفصل الشتاء والتحديات المرتبطة بأمن الإمدادات.
ومن المتوقع أن تتصدر مستويات التخزين وأسعار الغاز وخيارات تعزيز الواردات المناقشات، في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن أوروبا أصبحت أكثر قدرة على التعامل مع صدمات الطاقة مقارنة بعام 2022، لكنها لا تزال معرضة لتقلبات حادة في الأسعار، خصوصاً إذا تزامن شتاء بارد مع اضطرابات إضافية في الإمدادات العالمية.
وبينما تجاوزت أسعار الغاز الأوروبية 3 أمثال مستوياتها في بداية العام، فإن السؤال الرئيسي لم يعد يتعلق فقط بمدى ارتفاع الأسعار، بل بقدرة الحكومات على تحمل تكلفة التدخل مجدداً، في وقت تتزايد فيه الضغوط المالية والاجتماعية على اقتصادات القارة.
مصر تبدأ أكبر مشروع للمسح السيزمي بشرق المتوسط لدعم فرص اكتشاف الغاز
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
