حين لا يعود البقاء فضيلة

ليس أشقَّ على الإنسان من أن يقف في موضعٍ يُهان فيه، ثم يُطالَب بأن يبتسم، ولا أمرَّ على النفس من أن تضطرَّ إلى استجداء ما كان ينبغي أن يُمنح لها عفوًا، أو أن تشرح كرامتها لمن اتخذ من جرحها سبيلًا إلى إرضاء غروره. ولعلَّ من أعظم مآسي الإنسان أن يُبتلى بموقفٍ يكون فيه بقاؤه انكسارًا، ورحيله وجعًا، وصمته تجرُّعًا للمرارة، وكلامه انحدارًا إلى ما تأباه مروءته.

وعزَّة النفس ليست ذلك الترفُّع الذي يُخفي وراءه قلبًا متكبِّرًا، ولا ذلك الجفاء الذي يتزيّن بزيِّ القوة، وإنما هي شعورٌ عميق بأن للمرء من نفسه حرمةً لا ينبغي أن تُنتهك، وأن له من كرامته حقًّا لا يجوز أن يُساوِم عليه، وأن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرةً من دون أن يخسر نفسه، ولكنه متى خسر احترامه لذاته، فبأيِّ شيءٍ يعوِّض ما فقد؟

بعض الناس يظنُّون أن حفظ ماء الوجه لا يكون إلا بانتصار المرء في خصومة، أو بقدرته على ردِّ الإساءة بمثلها، أو بإجبار الآخرين على الاعتراف بفضله ومكانته. وما علموا أن المرء قد ينتصر في الخصومة ويُهزم في أخلاقه، وقد يُفحم خصمه بالحجَّة، ثم يخرج من الموقف مثقلًا بندامة كلمةٍ قالها، أو قسوةٍ أطلقها، أو كرامةٍ أراقها في سبيل أن يبدو قويًّا أمام الناس.

وليس كلُّ من سكت عاجزًا، ولا كلُّ من انصرف مهزومًا، ولا كلُّ من آثر الصمت خاليَ الوفاض من الحجج. فثمَّة صمتٌ يُولد من الحكمة، وانصرافٌ يصدر عن كرامة، واعتذارٌ لا يدلُّ على ضعف، كما أن ثمَّة كلامًا كثيرًا لا يُخفي إلا خواء صاحبه، وإصرارًا لا يكشف إلا عن عجزه عن احتمال الخسارة.

ما أرفع الإنسان حين يعرف متى يتكلَّم، ومتى يُمسك عن الكلام، ومتى يُقبل على الناس بقلبٍ مفتوح، ومتى يُغلق الباب في هدوءٍ لا ضجيج فيه! إنَّه لا يفعل ذلك كراهيةً للناس، ولا احتقارًا لهم، ولكنه أدرك أن بعض الأبواب لا ينبغي أن يُطرَق طويلًا، وأن بعض القلوب لا تُستصلح بكثرة العتاب، وأن من الناس مَن إذا رأى منك تسامحًا ظنَّه ضعفًا، وإذا رأى منك وفاءً حسبه حاجة، وإذا رأى منك صبرًا توهَّم أنَّك لا تستطيع الرحيل.

وما أقسى أن يضطرَّ المرء إلى تعليم الآخرين كيف يعاملونه! أن يشرح لهم أن الكلمة الجارحة تؤلمه، وأن التجاهل يترك في نفسه أثرًا، وأنه حين يمنحهم من وقته واهتمامه إنما يمنحهم شيئًا من عمره الذي لا يعود. ثم يعود فيشرح، ويعاتب، ويسترضي، ويمنح الفرصة تلو الفرصة، حتى يجد نفسه ذات يومٍ قد استنفد من روحه ما كان يكفيه ليعيش مطمئنًّا، وأنفق من كرامته ما لا يجوز أن يكون ثمنًا لبقاء أحد.

وليس العتاب مذلَّةً في.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 8 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 21 ساعة
صحيفة المواطن السعودية منذ ساعتين
صحيفة عكاظ منذ 6 ساعات
صحيفة سبق منذ ساعتين
صحيفة عكاظ منذ 7 ساعات
صحيفة الوطن السعودية منذ 7 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 7 ساعات
صحيفة الوطن السعودية منذ 5 ساعات