المديونية العامة في الأردن: كيف وصلنا إلى هنا؟

نفتتح بهذا المقال سلسلة من عشرة مقالات تتناول المديونية العامة في الأردن، انطلاقاً من أثرها في قدرة الدولة على تمويل التنمية وتحسين الخدمات والاستجابة للأزمات، وما تفرضه خدمتها من التزامات على الموازنات المقبلة. وتسعى السلسلة إلى تقديم قراءة تحليلية عميقة تستند إلى البيانات الرسمية، تتتبع تطور الدين خلال عشرين عاماً، وتوضح تعريفاته وحجمه وهيكله والجهات الدائنة، وتبحث أسباب تراكمه وآليات تمويله وإدارته، وصولاً إلى تقييم استدامته واقتراح مسارات واقعية لتخفيض أعبائه. وستناقش مسؤولية السياسات والحكومات المتعاقبة، مع التمييز بين القرارات المتخذة خلال كل مرحلة والالتزامات الموروثة والصدمات الخارجية، والاستفادة من التجارب الدولية بقدر ملاءمتها لظروف الأردن.

وتبدأ هذه القراءة من إدراك أن المديونية العامة الأردنية لم تتشكل في أزمة واحدة، ولا يمكن تفسيرها بقرار منفرد أو حكومة بعينها. إنها حصيلة تفاعل طويل بين عجز مالي متكرر، وصدمات خارجية، والتزامات متزايدة، وقدرة اقتصادية لم تتوسع بما يكفي لاحتوائها. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نفتتح به النقاش ليس فقط: كم أصبح حجم الدين؟ بل: كيف انتقل الأردن من مرحلة استطاع فيها تخفيف عبء المديونية إلى مرحلة بات فيها الاقتراض ضرورة متجددة لتمويل الموازنة وتسديد الاستحقاقات؟

تُظهر نشرة مالية الحكومة العامة الصادرة عن وزارة المالية في أيار 2026 أن إجمالي رصيد دين الحكومة، ضمن الموازنة والمكفول، بلغ في نهاية 2025 نحو 47.7 مليار دينار، بما يعادل 109% من الناتج المحلي الإجمالي. وبعد استثناء ما يحمله صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، بلغ الرصيد نحو 36.6 مليار دينار، أو 83.6% من الناتج. وهذان الرقمان يعكسان نطاقين مختلفين للقياس؛ فاستبعاد حيازات الصندوق لا يعني إلغاء التزام الخزينة بسدادها، كما أن إدراجها لا يلغي ضرورة مراعاة العلاقات المالية داخل القطاع الحكومي عند تحليل حساباته الموحّدة.

ولفهم الطريق إلى هذه الأرقام، ينبغي العودة إلى بداية الفترة الممتدة من 2006 إلى 2025؛ عشرين سنة مكتملة شهدت تحولات في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، وفي مصادر التمويل والإنفاق المحلي. ويجب التمييز، منذ البداية، بين العجز، وهو تدفق خلال سنة، والدين، وهو رصيد متراكم في تاريخ محدد. كما لا يجوز وصل نسب تاريخية احتُسبت بتعريفات أو تقديرات مختلفة للناتج المحلي، ثم التعامل معها باعتبارها سلسلة متجانسة.

في منتصف العقد الأول من الألفية، كانت الظروف أكثر مساعدة على تخفيض عبء الدين. فقد اجتمعت قوة النشاط الاقتصادي وتدفقات الاستثمار وإيرادات الخصخصة والمنح مع تحسن بعض عناصر المالية العامة. ووثّق صندوق النقد الدولي في مشاورات 2006 مساهمة تحسن الإيرادات والمنح، وتراجع دعم المحروقات، والخصخصة الجزئية لشركة الاتصالات الأردنية، في تحسن الوضع المالي وانخفاض نسبة صافي الدين. غير أن هذه العوامل لم تكن جميعها موارد دائمة؛ فإيرادات بيع الأصول تُحصَّل مرة واحدة، والمنح تخضع لقرارات وظروف خارجية.

وجاءت عملية شراء ديون نادي باريس عام 2008 لتشكّل محطة مهمة. فبحسب تقرير صندوق النقد، أطفأ الأردن ديوناً بقيمة اسمية تقارب 2.4 مليار دولار مقابل دفع نحو 2.1 مليار دولار، بتمويل من عوائد الخصخصة والمنح الخارجية، وبخفض يقارب 11% من القيمة الاسمية للديون المشمولة - وهي نسبة منخفضة. كانت العملية أداة فعلية لتقليص الالتزامات، لكنها تبيّن أيضاً حدود المعالجات الاستثنائية: تخفيض رصيد الدين في لحظة معينة لا يمنع عودته إلى الارتفاع إذا استمرت الفجوة السنوية بين الإنفاق والموارد.

ثم أخذت البيئة تتغير. جاءت الأزمة المالية العالمية، وتبعتها اضطرابات إقليمية أصابت التجارة والاستثمار والسياحة وإمدادات الطاقة. وبرز قطاع الكهرباء بوصفه قناة رئيسية لانتقال الصدمة الخارجية إلى المالية العامة؛ إذ ارتفعت كلفة الوقود المستخدم في التوليد، بينما لم تتكيف الإيرادات بالسرعة نفسها. ويشير تقرير صندوق النقد لعام 2012 إلى ارتفاع خسائر شركة الكهرباء الوطنية من 8.0% من الناتج المحلي عام 2010 إلى 4.9% عام 2011، وتمويلها عبر قروض وسندات مضمونة حكومياً ومتأخرات للموردين.

تكشف هذه المرحلة أن الدين لا ينشأ حصراً من العجز الظاهر.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
قناة رؤيا منذ 22 ساعة
خبرني منذ 12 ساعة
قناة رؤيا منذ 23 ساعة
قناة رؤيا منذ 6 ساعات
صحيفة الدستور الأردنية منذ 10 ساعات
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 3 ساعات
قناة المملكة منذ 13 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 19 ساعة