شاهدت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورة قيل إنها للشهيد عمر المختار ملقى على الأرض بعد إعدامه. توقفت أمامها طويلًا، ثم وجدتني أتأمل ما يتجاوز المشهد نفسه. كيف يستطيع جسد ساكن أن يوقظ كل هذا القلق في الأحياء؟ وكيف تقودنا صورة من زمن الاستعمار إلى فلسطين، كأن المسافة بين الأمس واليوم أقصر مما توحي به السنوات؟ لم يكن ما استوقفني موت رجل قاوم احتلال بلاده فحسب، بل سهولة أن نكرّم شجاعة الراحلين، فيما نعجز عن الوفاء بما تفرضه علينا مآسي الذين يعيشون بيننا.
لا تكفي العبارة المكتوبة تحت الصورة لإثبات نسبتها إلى المختار، ولا يجوز أن تحل قوة التأثر محل التوثيق. فللذاكرة حق علينا في الدقة، كما أن للشهداء حقًا في ألا تُروى سيرهم بما لم يثبت. لكن التحفظ على هوية الجثمان لا يغلق السؤال الذي أثاره المشهد. ما الذي تريده القوة حين تعرض خصمها عاجزًا بعد موته؟ لعلها تسعى إلى جعل نهايته برهانًا على عبث مقاومته، ثم تكتشف أن السيطرة على الجسد لا تمنحها الكلمة الأخيرة في معناه وأن صورة أُريد لها إعلان الهزيمة قد تصبح شاهد اتهام طويل العمر.
من هذا السؤال يحضر عمر المختار في فلسطين، مع إدراك اختلاف الظروف والتجارب. ما يصل بينهما هو حق الإنسان في أرض لا يتحول بقاؤه فيها إلى تهمة وفي بيت لا يحتاج إلى تبرير وجوده، وفي مستقبل يستطيع أن يشارك في صنعه. وتبدأ مأساة الاستعمار حين تحتكر القوة تعريف الحقوق، فيصبح أمن المسيطر أصلًا تُرتب عليه السياسات، بينما تُعامل حرية الخاضع لسيطرته بوصفها مطلبًا قابلًا للإرجاء.
في غزة يتخذ هذا الاختلال صورته الأشد إيلامًا. فالبيت الذي يتحول إلى ركام لا يغيب وحده، بل تغيب معه تفاصيل كانت تمنح الحياة انتظامها. مكان المائدة، ودفاتر المدرسة ونافذة تنتظر عندها أم عودة أبنائها. لا تستوعب أعداد المباني المدمرة كل هذه الخسارة، مثلما لا يختصر إحصاء الضحايا ما ينقطع برحيل كل إنسان. وحين يصبح العثور على مأوى وطعام وعلاج معركة يومية، ينكشف مقدار المسافة بين الاعتراف النظري بكرامة البشر والاستعداد لحمايتها.
أما في الضفة الغربية، فيمتد السؤال إلى قدرة الفلسطيني على امتلاك يومه. الحاجز الذي يؤخر وصوله، والطريق الذي يُغلق أمامه، والخوف على أرضه وبيته، كلها تجعل التخطيط لأبسط شؤون الحياة أمرًا معلقًا على قرار سواه. هنا يُستهلك العمر في تدبير الوصول، ويغدو الوقت نفسه مجالًا للسيطرة. ما قيمة الحديث عن الفرص إذا كان الإنسان لا يستطيع ضمان بلوغه جامعته أو عمله أو حقله؟ وأي استقرار يمكن أن ينشأ حين يبقى الاعتيادي عرضة للانقطاع؟
لهذا لا يمكن اختزال الدولة الفلسطينية في عبارة تستكمل بها البيانات توازنها اللغوي. جوهرها أن يصبح للفلسطيني حق مستقر في تقرير مصيره ومؤسسات مسؤولة أمامه، وقانون يعرف من خلاله واجباته ويستطيع به حماية حقوقه. كما أن قيامها يضع على سلطتها التزامًا بالمحاسبة والعدالة وصون الحريات. فالاستقلال يستمد قيمته من حياة الناس داخله، ومن قدرتهم على بناء غد لا ترسم حدوده إرادة مفروضة عليهم.
وحين تتصدر الانتخابات الإسرائيلية النقاش، تنشغل الشاشات بالأسماء والمقاعد واحتمالات الائتلاف. لهذه التفاصيل آثارها والفروق بين السياسات تستحق الفحص الجاد. غير أن الاهتمام بها يفقد معناه إذا حجب السؤال الفلسطيني الأساسي. ماذا سيتغير في واقع الاحتلال والاستيطان؟ وما الذي سيمنح أهل غزة الأمان، ويعيد إلى سكان الضفة حرية الحركة، ويفتح طريقًا فعليًا إلى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
