جو24- الذكرى المشؤومة لوعد بلفور، في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917، تستدعي إعادة القرأة الدائمة للظروف التي مهدت له، حيث عادة ما تنسب الرواية التاريخية التقليدية نشأة الحركة الداعية لعودة اليهود إلى فلسطين إلى مفكري أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر. إن نظرة فاحصة للتاريخ تكشف أن الطموحات اللاهوتية والسياسية والإمبراطورية البريطانية كانت المحرك الحقيقي والمؤسس الأولي لهذه الحركة. وعودة إلى بدء، استهل الوجود اليهودي الموثق في إنجلترا وليام الفاتح (1028-1087) عام 1066 عندما جلب التجار والممولين اليهود من نورماندي الفرنسية لتسهيل جباية الضرائب النقدية الإقطاعية، وهو الوجود الذي انتهى بعد قرنين من الزمان عندما أصدر الملك إدوارد الأول (1239-1307) مرسوم طرد اليهود عام 1290. ولأكثر من ثلاثة قرون، لم يكن هناك مجتمع يهودي علني في إنجلترا حتى عام 1656، عندما قدم الحاخام الهولندي منشة بن إسرائيل (1604-1657) التماساً إلى اللورد أوليفر كرومويل (1599-1658)، للسماح لليهود بالإقامة في انجلترا. كان انفتاح كرومويل نتاج تحول ثقافي عميق أحدثه الإصلاح الإنجليزي وصعود البروتستانتية التطهيرية (البيوريتانية)، فقد تخلى اللاهوتيون الإنجليز عن التقاليد التفسيرية الرمزية للقرون الوسطى لصالح القراءة الحرفية لنبوءات العهد القديم. وأدخلت الهوامش المدونة في إنجيل جنيف الصادر عام 1560 حول الرسالة إلى أهل رومية فكرة الاستعادة القومية. وكان عالم لاهوت ورجل الدين الأنجليكاني إدموند باني نشر (1540-1619) كتابه (صولجان يهوذا) عام 1584، داعياً إلى العودة الحقيقية لليهود إلى فلسطين. وتعمق هذا الإطار عام 1607 عندما كتب اللاهوتي التطهيري توماس برايتمن (1562 1607) كتابه بعنوان (سفر الرؤيا)، مؤكداً أن النبوءات الكتابية تضمن عودة اليهود إلى القدس. وفي عام 1621، نشر عضو البرلمان سير هنري فينش (1558-1625) كتابه (استعادة العالم الكبرى)، مصراً على أن العهود الكتابية تنطبق مباشرة على سلالة يعقوب، وهو ادعاء كان راديكالياً سياسياً لدرجة أن الملك جيمس الأول (1566-1625) سجنه لفترة وجيزة لاقتراحه أن القوى العالمية ستخضع يوماً ما لدولة يهودية مستعادة.
بعد ذلك، شهد الفكر الصهيوني المسيحي في إنجلترا نقلة نوعية وتطويراً لاهوتياً حاسماً في القرن التاسع عشر على يد القس واللاهوتي الإنجليزي-الأيرلندي جون نيلسون داربي (1800 1882)، الذي أسس مذهب "تدبيرية المجيء الثاني". فصل داربي بوضوح بين الكنيسة وإسرائيل التاريخية، مؤكداً أن الوعود الإلهية لليهود بالعودة إلى فلسطين هي وعود مادية زمنية يجب أن تتحقق حرفياً لإطلاق الجدول الزمني لنهاية العالم. ثم انتقلت هذه الفلسفة اللاهوتية عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة وتكرست عميقاً في الوجدان الأمريكي بفضل اللاهوتي سيروس سكوفيلد (1843 1921)، الذي أصدر إنجيل سكوفيلد الدراسي المرجعي عام 1909؛ حيث أرفق النص الكتابي بهوامش تفسيرية تدبيرية تؤكد أن دعم عودة اليهود إلى فلسطين هو واجب ديني وأخلاقي، معتبراً أن مباركة إسرائيل تجلب البركة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
