الاستعداد لعصر ما بعد هيمنة الدولار

محمد بن أنور بن خميس اللواتي **

لا يزال الدولار الأمريكي العملة المهيمنة على النظام المالي العالمي؛ فهو يحتل المرتبة الأولى في الاحتياطيات الدولية، ويُعد الأكثر استخدامًا في أسواق التمويل والتجارة العالمية. غير أن هذه الهيمنة بدأت تتقلص تدريجيًا، فحصة الدولار الأمريكي بدأت تتراجع في الاحتياطيات العالمية حيث تسعى البنوك المركزية إلى تنويع احتياطياتها، ونسبته في التجارة البينية بدأت تقل، كما أن البدائل بدأت تكتسب زخمًا أكبر.

ووجود الدولار عملة أساسية في النظام العالمي منح الولايات المتحدة الأمريكية قوة جيوسياسية كبيرة تتجاوز مكاسب تمويل الحكومة الفدرالية بعملتها المحلية، عبر آليات فرض العقوبات الاقتصادية والتأثير في أنظمة المدفوعات والتسويات المالية الدولية. في ظل التراجع التدريجي لهيمنة الدولار، وتزايد استخدامه أداةً لفرض العقوبات الاقتصادية، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى استقلالية القرار الاقتصادي للدول، ومستقبل اقتصاداتها المرتبطة بالدولار الأمريكي.

وتعود بداية الدولار الأمريكي إلى عام 1792 عندما اعتمدته الولايات المتحدة ضمن نظام يستند إلى الذهب والفضة. ومع اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية عام 1861، بدأت الحكومة إصدار أوراق نقدية عُرفت باسم "العملة الخضراء" في مرحلة تميزت باضطرابات كبيرة في قابلية تحويل النقود إلى المعادن الثمينة. وفي عام 1900 تبنت الولايات المتحدة معيار الذهب رسميًا، وأصبح الدولار مرتبطًا بالذهب عند سعر يقارب 20.67 دولارًا للأونصة. ثم جاء تأسيس نظام الاحتياطي الفدرالي عام 1913 ليضع الأساس للنظام المصرفي الأمريكي الحديث. وفي ثلاثينيات القرن الماضي -وتحديدًا خلال عامي 1933 و1934- اتخذت إدارة الرئيس فرانكلين روزفلت قرارات قيدت تحويل الدولار إلى الذهب محليًا، وأعادت تحديد سعره الرسمي عند 35 دولارًا للأونصة.

ومع تعزز القوة الاقتصادية الأمريكية وتراكم احتياطيات الذهب، أقر مؤتمر بريتون وودز عام 1944 نظامًا نقديًا دوليًا رُبطت فيه العملات الرئيسية بالدولار، مقابل التزام الولايات المتحدة بتحويل الدولار إلى ذهب بسعر 35 دولارًا للأونصة للجهات الرسمية الأجنبية، ليصبح ذلك محور النظام النقدي العالمي. لكن في أغسطس 1971، أوقفت إدارة الرئيس نيكسون تحويل الدولار إلى الذهب بقرار منفرد عندما أدّت تكاليف حرب فيتنام إلى ضغوط هائلة على المالية العامة الأمريكية، فيما عُرف بـ"صدمة نيكسون"، وبذلك انتقل العالم تدريجيًا إلى نظام أسعار الصرف المرنة. ورغم ذلك، حافظ الدولار على دوره العالمي معتمدًا على قوة الاقتصاد الأمريكي، وعمق أسواقها المالية، ونفوذها السياسي. وساهم تسعير النفط والسلع الأساسية بالدولار في تعزيز هذه المكانة. كما أدت إعادة استثمار فوائض الدول النفطية في الأصول الأمريكية إلى نشوء ما عُرف بـ"البترودولار"، وهو ما دعم الطلب العالمي على الدولار والسندات الأمريكية.

لا بُد من إدراك حقيقة أساسية، وهي أن مكانة أي عملة عالمية تعتمد على ركيزتين متلازمتين: قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها، وثقة العالم في استقرار المؤسسات التي تديرها. فحجم الاقتصاد يمنح العملة القدرة على الانتشار، بينما تضمن الثقة استمرار استخدامها في التجارة والتمويل والاحتفاظ بها بوصفها مخزنًا للقيمة. ويؤكد التاريخ ذلك؛ فقد هيمن الغيلدر الهولندي على التجارة العالمية في القرنين السابع عشر والثامن عشر ثم تراجع مع أفول القوة الهولندية، وخلفه الجنيه الإسترليني الذي بدأ يفقد مكانته بفعل تداعيات الحربين العالميتين، والكساد العظيم، وهزيمة مذلة لبريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر في أعقاب إعلان الرئيس جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس.

وقد استفادت الولايات المتحدة من كون الدولار عملة عالمية بسبب قوة اقتصادها وحجمه، وعمق أسواقها المالية، إضافة إلى متانة مؤسساتها، سواء المحلية منها أو الدولية التي أسهمت في تأسيسها. إلا أن التحولات الاقتصادية والجيوسياسية أثرت على مركزية الدولار الأمريكي. فعلى المستوى الاقتصادي، تجاوز إجمالي الدين العام الأمريكي 40 تريليون دولار، بما يفاقم المخاوف.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 7 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
وكالة الأنباء العمانية منذ 3 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 3 ساعات
صحيفة رصد العمانية منذ 4 ساعات
موقع الوصال منذ 3 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 8 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 5 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 8 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ ساعتين