يارا الحايك **
قد يبدأ الخطأ بفعل صغير لكن ما يمنحه القدرة على التكرار ليس حجمه، بل قدرتنا على إيجاد مبرر له. نرتكب ما لا ينسجم مع مبادئنا، فنشعر بالاضطراب ثم نسارع إلى تفسير ما حدث بطريقة تحفظ صورتنا عن أنفسنا. ومع كل تبرير يصبح الاعتراف بالخطأ أكثر كلفة، لا لأن الحقيقة تغيّرت، بل لأننا استثمرنا في رواية تجعلنا على صواب. هنا تتجلّى إحدى الظواهر النفسية المعروفة باسم "التنافر المعرفي".
ينشأ التنافر المعرفي حين تتعارض قناعاتنا أو قيمنا مع سلوكنا أو تصطدم معلومات جديدة بما استقرّ في أذهاننا. ويولّد هذا التعارض توترًا يدفعنا إلى استعادة الشعور بالاتساق الداخلي. وقد نفعل ذلك بمراجعة أفكارنا وتصحيح سلوكنا، وقد نختار طريقًا أقل إيلامًا: إعادة تفسير الوقائع أو انتقاء ما يؤيد موقفنا، أو التقليل من شأن ما يناقضه. ليست المشكلة في حاجتنا إلى فهم ما حدث، بل في أن يتحوّل الفهم إلى وسيلة لتبرئة الذات بدل مساءلتها.
تأمّل شخصًا يعتزّ بأنه منصف ثم يجد نفسه متحيّزًا في موقف ما. يستطيع أن يعترف بأن سلوكه خالف القيمة التي يؤمن بها، فيتحمّل مشقة المراجعة، أو أن يبحث عن ظروف استثنائية تبرّر انحيازه. في الحالة الأولى، تتعرض صورته عن نفسه للاهتزاز لكنه يكتسب فرصة للتعلّم؛ وفي الثانية، يستعيد راحته سريعًا لكنه قد يمهّد لتكرار السلوك ذاته. فالتبرير لا يمحو الخطأ، وإنما قد يخفّف إحساسنا بمسؤوليتنا عنه.
وتبدأ المشكلة الأعمق حين لا نكتفي بتبرير الفعل، بل نغيّر المعيار الذي نحكم به عليه. فما اعتبرناه تجاوزًا حين ارتكبه الآخرون قد يصبح حين نرتكبه نحن، ضرورة فرضتها الظروف. وما طالبنا به خصومنا من نزاهة وشفافية قد نعدّه مطلبًا غير واقعي حين يتعلق الأمر بمن نؤيدهم. عندئذٍ لا يعود المبدأ مرجعًا ثابتًا نحاكم به الأفعال، بل يصبح حكمنا عليه تابعًا لموقعنا من الفعل وفاعله.
بهذه الطريقة، قد لا تتبدّل مواقفنا وحدها، بل تتبدّل الحدود التي نرسمها بين المقبول والمرفوض. يبدأ الأمر باستثناء نراه مبررًا ثم يتسع حتى يصبح قاعدة ضمنية، ونصل إلى مرحلة لا نرى فيها التناقض الذي كان يزعجنا في البداية. وما نسمّيه مرونة في الحكم قد يكون أحيانًا تراجعًا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
