أوروبا لم تنهض بالدعاء: كيف يُصنع الإنسان قبل أن تُبنى الأوطان
بقلم الاستاذ الدكتور / خالد الحديثي استاذ التكنولوجيا
المتقدمة .
لم تبدأ نهضة أوروبا من المصانع ولا من الجامعات ولا من القصور الملكية، بل بدأت من لحظة تمرّد فكري عميقة حين تجرّأ إنسان على مؤسسة كانت ترى نفسها ظلّ الله على الأرض. عندما واجه مارتن لوثر احتكار الكنيسة للحقيقة، لم يكن يقود انقلابا سياسيا بالمعنى التقليدي، بل طالب بحق بسيط وخطير في آن واحد: أن يفكّر الإنسان بنفسه. تلك اللحظة كسرت هيبة المقدّس السياسي وأسقطت فكرة قاتلة مفادها أن جهة واحدة يمكن أن تملك السماء والأرض معا، وأن الحقيقة يمكن أن تُحتجز داخل مؤسسة.
ما تلا ذلك لم يكن طريقا ناعما ولا انتقالا حضاريا هادئا. غرقت أوروبا في قرون من الصراعات الدينية، سالت فيها الدماء باسم العقيدة، وتكسّرت فيها المجتمعات على خطوط الطوائف والمذاهب، وتحوّلت المدن إلى ساحات اقتتال، والعائلات إلى جبهات انقسام. غير أن هذه القسوة التاريخية صنعت وعيا جديدا. تعلّم الأوروبيون، بثمن فادح، درسا وجوديا بالغ العمق: حين تتحول العقيدة إلى نظام حكم، يصبح القتل سياسة، ويغدو الاختلاف جريمة، وتتحول السماء إلى أداة إدارة للأرض.
من رحم هذا الخراب، بدأ التحول الحقيقي. انتُزعت السلطة تدريجيا من المؤسسة الدينية، وظهرت الدولة القومية الحديثة، وتكوّنت القوانين المدنية، وخضعت الجيوش والإدارة للحكومات لا للكهنة. لأول مرة في تاريخ أوروبا، نزلت السلطة من السماء إلى الأرض، وصار الحكم شأنا بشريا يخضع للمساءلة والمحاسبة، لا تفويضا سماويا مغلقا. لم يكن هذا فصلا للدين عن المجتمع، بل فصلا للمقدّس عن القرار السياسي، وتحريرا للإنسان من الخضوع المطلق لسلطة تدّعي احتكار الحقيقة.
بعد أن أنهكتهم الحروب والانقسامات، دخلت أوروبا مرحلة عصر التنوير. تغيّر السؤال المركزي من "من يملك الحقيقة؟" إلى "كيف نحكم بعدالة؟". في تلك المرحلة أعيد تعريف الإنسان بوصفه مواطنا لا تابعا، وظهرت مفاهيم العقد الاجتماعي وحرية التعبير وحقوق الإنسان، ولم يعد مقبولا أن تُدار الحياة بالخرافة أو أن تُخنق الأسئلة باسم المقدّس. صار العقل شريكا للإيمان لا خصما له، وأصبحت المعرفة حقا عاما لا امتيازا طبقيا، وتحولت التربية إلى مشروع مجتمعي لا أداة طاعة.
ثم خرج الفكر من الكتب إلى الشارع مع الثورة الفرنسية. هنا لم يعد الحديث نظريا ولا محصورا في الصالونات الفكرية. سقطت الملكية، أُلغيت الامتيازات الطبقية، وأُعلنت للمرة الأولى بصوت عالٍ فكرة أن السلطة للشعب. كانت تلك اللحظة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
